يثير موضوع المفاعل النووي الإيراني مخاوف دولية وإقليمية . تختلف الأسباب ولكنها تلتقي عند نقطة الرفض . فالغرب تحديداً لا يشجع انتشار هذا السلاح لخطره وبخاصة في يد أنظمة العالم الثالث ناقصة النضج شديدة الهياج متقلبة المزاج والسياسات . أما العرب فلهم أسبابهم الأخرى للرفض وأبرزها ما يثيره امتلاك هذا السلاح من شهية التوسع وفرض السياسات واختلال التوازن الإقليمي بأبعاده المضمرة : قومياً ودينياً ومذهبياً. على أن أكثر العرب قلقاً من سياسة إيران النووية هم أهل الخليج سواء بقرب جغرافيا المشروع من أرضهم ، أم بما لإيران من مطامع إقليمية لا تخفيها وتعمل بإصرار على تغيير موازنات القوة في الخليج واستخدام المشاعر المذهبية في لعبة خلط الأوراق والمعادلات والتحريض بحيث يصبح نفط الخليج ، الذي هو بمعنى ما أمن العالم ، تحت مرمى القوة الإيرانية وهيمنتيها المادية والمعنوية ، بكل ما سيترتب على هذا من نتائج عظيمة الخطر . وحدها سورية من بين كل العرب ليست قلقة من إيران بسبب الحلف متعدد الأسباب الذي يمنح نظامها بعض قدرة في مواجهاته الإقليمية وبخاصة في لبنان حيث تمتلك إيران قوة حزب الله المسلحة. ليس الموضوع مبدئياً كما يحلو للبعض أن يقرأه . فإيران دولة يتداخل في تشكيل سياستها واستخدامها بُعْدُ القوتين : القومية الفارسية والمذهبية الشيعية ، ويستحضر الصراع في هذين البعدين كل رواسب التاريخ : حقائقه وأوهامه. لنعد قليلاً إلى الوراء . لم يكن نصر الخميني في إيران بثورته الدينية بعيداً عن الاستراتيجية الأميركية في استخدام الدين في مواجهة الإتحاد السوفياتي . وكان من نتيجة تلك المواجهة بأبعادها المسيحية واليهودية والإسلامية ، سقوط الشيوعية وانتصار الغرب بقيادة أميركا.

يواجه العالم اليوم بقايا هذه السياسة وحصادها المر . فقد ذهب الإتحاد السوفياتي وبقي النظام الإيراني . انهارت الشيوعية وبقي أسامة بن لادن . وها هما ، كلٌّ من موقعه وبأسلوبه ، يستولدان في عراق ما بعد صدام أصوليتين : أصولية مجنونة يجسدها أبو مصعب الزرقاوي ، وأصولية حاكمة في إيران والعراق تمسك بالسلطة ولا تقل في دمويتها عن تلك. صحيح أن أميركا تحتاج إلى تحدٍّ تستولده وتستطيع بمواجهته ومخاطره المحافظة على وتيرة تقدمها كما كان عليه الحال أيام الإتحاد السوفياتي . غير أن التحدي الإيراني ، بالرغم من أنه لا يرقى إلى التحدي الشيوعي ، فإنه مقلق بجغرافيته لا بقوته . إنه تحد في المدى الحيوي للحضارة : في أرض النفط.

ثمة من يعتقد جازماً بأن واشنطن تستدرج طهران لهذا الصراع غير المتكافئ وأن إيران تُستدرج بغفلة مراجعها وأوهامهم . فلا القوة الإيرانية قادرة على المواجهة الحاسمة حتى إذا هي امتلكت قدرة التخريب والتفجير ، ولا واشنطن ومن ورائها الغرب القلق على موارد الطاقة قادر أو يريد أو يرضى بالتراجع . فالمعركة قادمة إذن بالحاجة إليها أكثر مما هي قادمة بأوهامها الإقليمية. غير أن موازين القوة والقوى تفترض التعبئة والحشد . فأميركا تريد من المواجهة أن تستنفر الطاقات الأميركية الإقتصادية والعسكرية بعد أن خَمُلَتْ بسقوط الإتحاد السوفياتي ولم يبق أمامها من عدو يحفز وتيرة الإنتاج والتقدم ، والغرب يلحق لئلا تمنح المعركة أميركا السيطرة المطلقة على موارد الطاقة ومن خلفها السيطرة المطلقة على مستقبل الإقتصاد العالمي . أما المنطقة بقواها الإقليمية فمجرد أرض للمعركة تستنفد مدخراتها المالية ، وربما البشرية ، في مواجهة تصنعها الحاجة والمصالح وتوهم الجميع أنها مواجهة الخير والشر ، الإسلام وخصومه .. ولا شيء من هذه الأوهام إلا غفلة الشعوب وحاجة عالم ما بعد وفوق الثورة الصناعية إلى العدو والتحدي.

ليس ما نشهد ، هنا وهناك وهنالك ، محصوراً بعنوان وأرض ومشروع . إنها معركة مفتوحة على كل الجبهات ويزيد من خطورتها بلاهة الطرف الذي تثيره شهوة القوة كما الثيران التي يهيجها اللون الأحمر . فلا إيران قادة على أن تسترجع التاريخ حتى إذا هي نجحت في استثارة أشجانه وحشد بقاياه ، ولا بيروت ودمشق وبغداد أو عواصم الخليج القلقة قادرة على أن تحمل عبء مواجهة عظيمة الخطر عليها جميعاً مهما صنعوا لها من أسبابها ومخاوفها .

الكل يساق إلى المذبح . الكل على أرض المواجهة مهزوم بفقدان التكافؤ . وحدها القوى العظمى تستطيع أن تمتص خسائرها وأن تستعيد حيوية مجتمعاتها واقتصادها في حروبها المبرمجة. واضح هنا أن القويّ أقدر على تبرير المواجهة ، وأن الضعيف هنا ، سواء إيران أم سورية أم حزب الله والروافد في هذا الجانب ، أم دول الخليج ومصر وبقية العرب على الجانب المقابل ، لا يزيد دوره على ردود الفعل ، وتظل مهما بدا من عزمها وتشنجها في إيران وفريقها ، أو قلقها وعقلانيتها في الخليج ومصر والبقية ، تظل مجرد عناصر تحتاجها لعبة الأمم الجديدة بالغة التعقيد طويلة النفس. يحسب البعض أن السياسة الأميركية لا تعرف ما تريد أو أنها وقعت في مطب العراق ودواماته . خطأ هذا فخسائرها تحتاجها لحفز قواها . كذلك يحسب البعض أن القوة الأميركية موشكة على الهزيمة والهرب وأن عمليات القتل والذبح سوف تثير رعبها فتولي أدبارها تاركة أرض النفط وثرواته لأبي مصعب الزرقاوي أو أسامة بن لادن. هذا الوهم الخطر مجرد تبسيط جاهل للحقائق الكبرى التي قادت إلى حرب العراق . فما تريده حدث . إن الخوف وارتفاع أسعار النفط على نحو نفرح له اليوم سوف يحزننا غداً . إنه يستفز العالم الصناعي للدفاع عن مائه النفطي . وشيئاً فشيئاً تتجمع الإرادة المشتركة عند الغرب وفي مجتمعاته لإشعال المنطقة تمهيداً للتدخل المبرر . خلال ذلك يفرح البعض لجملة هنا في خطاب أو موقف عنتري ساذج يجهل الجميع مخاطره وثمنه القادم.

هل تعرف القيادات السياسية هذه الحقائق..؟ أكبر الظن أنها تجهلها لأن الجهل هو السمة المشتركة لصانعي القرار السياسي منذ حصلت شعوب المنطقة على استقلالها في أعقاب الحرب العالمية الثانية بضعف المحتل لا بقوتها . هنا ، في الجهل ، يكمن الخطر المقبل . فالكل يحسب أنه يدافع عن شيء حقيقي يمثله ثم ما يلبث أن يكتشف أن هذا الحقيقي مجرد وهم . وهم تاريخ نسترجع أحزانه ، ووهم قوة نشتريها ولا ننتجها وكثيراً ما نجهل استخدامها أو نخشاه ، ووهم حق يخفي باطلاً ، ووهم مال ما أعظم هدره وأيسر تجميده أو مصادرته.

ونعود إلى موضوع إيران ولعبة آياتها الإقليمية . لا شيء ، بعد أن ارتفعت أسعار النفط ، يمكن أن يهدر المال مثل الخوف . وقد نجحوا في دفع إيران إلى مشروع القوة النووية التي تجهل ، في قناعتنا ، استخدامها . وذلك أن للقوة النووية أرضية صناعية وعلاقات ونظماً لم تنشأ بعد في أي مجتمع شرق أوسطي ، وربما كان ممنوعاً أن تنشأ أو تتكون .. ما عدا إسرائيل ، المشروع الغربي في مرحلة التحدي السوفياتي وقد بدأ يتراجع في أعقاب انهيار الشيوعية ، ونخشى أنه يستعيد مبررات وجوده والرهان عليه في مشروع إيران النووي..؟!!

يطرح البعض سؤالاً مبرراً : لماذا تملك إسرائيل هذا السلاح ولا يملكه بلد عربي أو إسلامي ما عدا باكستان التي سرقته في غفلة من زمن التوازن الدولي وصراع بقائها مع الهند..؟ والجواب هو أن عالم ما بعد السقوط السوفياتي ونهاية الشيوعية مختلف . ثمة مخاوف حقيقية وقرار حاسم . فأما المخاوف فمن امتلاك مجتمعات متخلفة القوة النووية واحتمالات أن تقع هذه في يد الأصوليين بدمويتهم وانتحاريتهم التي يشهد العالم نماذج منها في العراق وأفغانستان وفي مناطق أخرى مهددة . وأما القرار فهو منع انتشار هذا السلاح بكل الوسائل تمهيداً لضبطه وإخراجه من سلطة التهديد والدمار. ما زلت أذكر حديثاً لي مع مسؤول غربي في زيارتي الأخيرة لباريس سألني : هل تعتقد أن مجموعة ما أصولية عدائية وانتحارية يمكن أن تستخدم أي سلاح تدميري إذا وقع في يدها ضد المصالح والمجتمعات الغربية أم لا..؟ أحرجني الطرح . سكت . أعاد السؤال . قلت : إذا أردت قناعتي فأنا على يقين من أنها سوف تفعل ، لأن الذي يذهب إلى موته لا يعود يسأل عن حياة الآخرين.

قال: هنا يكمن الخطر والرفض. قلت : ولكن ماذا عن القوة النووية عند الآخرين..؟ قال : إنه موضوع مفاوضات المستقبل بين عقلاء يدركون مخاطرها وزوال أسبابها ومبرراتها . ثم ضرب لي مثلاً ألمانيا . قال : أليست ألمانيا دولة صناعية متقدمة وكذلك اليابان . قلت نعم . قال : لماذا يحظر عليهما إنتاج الأسلحة النووية ولا يريدان إنتاجها . ثم أجاب : لأن ذكريات الحرب العالمية الثانية وآلامها ما زالت ماثلة ومعها المخاوف . وتدرك ألمانيا كما اليابان هذه الحقيقة ، ويتجنبان بإرادتهما الدخول في لعبة التحدي النووي ، مستعيضين عنها بالتحدي الصناعي وقد نجحتا فيه وتوفرت لهما أسباب القوة أكثر مما كانت ستتوفر لهما بالقنبلة النووية . إن الصراع الحقيقي هو بين التقدم والتخلف وليس بين من يمتلك السلاح النووي أو لا يمتلكه . ثم إن إيران تدرك أن امتلاكها السلاح لا يخيف الغرب ولا واشنطن بقدر ما يخيف جيرانها .

الخطر في المشروع الإيراني ومنه هو على إيران وجوارها وليس على أميركا وأوروبا . هذا ما يجب أن تدركه قوى المنطقة : إيران ومعها دول الجوار. غير ذلك ، أضاف ، فإن هذا يعني أن المواجهة قادمة بثمنها الذي سوف تدفعه المنطقة وبخاصة دول النفط . أما الغرب فقادر على استعادة السيطرة مهما بلغت الحاجة إلى استخدام القوة لأنه لن يدع مصير شعوبه في يد الإنتحاريين . وبدلاً من أن ينتظر الغرب الموت في أرضه فسوف يذهب إليه في أرضهم. وأنهى حديثه بقوله : هل فهمت الآن رسالة الرئيس شيراك حين تحدث عن استخدام السلاح النووي إذا ما استخدم الآخرون أسلحة الدمار الشامل . وهل هنالك ما هو أخطر في شموله من تهديد مصدر ماء الحضارة : النفط..؟ اقتباس "وحدها القوى العظمى تستطيع أن تمتص خسائرها وأن تستعيد حيوية مجتمعاتها واقتصادها في حروبها المبرمجة" ما مصلحة الصين في لعبة توازنات القوى الحالية ، وما هو دورها ..؟ نزار