يخطىء الكثيرون ممن يعطون النصائح سرّاً وعلانية للنظام السوري بالقبول بكل طلبات الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية والتي تأتي تارة بشكل مباشر وتارة بوساطات دولية تنقل هذه المطالب ، بالتخلي عن السيادة والتسليم لما تفرضه أمريكا وحلفاؤها في المنطقة ، والسير وفق الرغبات الأمريكية باعتبارها تمثل رغبات المجتمع الدولي كما يسوّقونها باسم الشرعية الدولية ،ناسين أو متناسين الدور الكبير الذي لعبته لجنة التفتيش الدولي في العراق والتي صالت وجالت على الأرض العراقية من الشمال إلى الجنوب ومن الغرب إلى الشرق وفتشت حتى غرف نوم الرئيس العراقي ومع ذلك ومع عدم ثبوت وجود أسلحة التدمير الشامل حتى الآن رغم احتلال الأرض والمقدسات لم يسلم النظام ولم يسلم الشعب والوطن فاستبيح الدم العراقي واستبيحت الأرض والمقدسات بأبشع ما يمكن أن يتصوره العالم في هذا العصر ولا أجد مقارنة أقل ما يمكن مقارنته باستباحة هولاكو لبغداد وطمس ثقافتها في نهر الفرات حتى أصبح ماء النهر مسودّاً من كثرة الكتب التي رميت فيه .

لا أعتقد ورغم كل النصائح التي توجّه من هنا وهناك ، من مسؤولين عرب أو أجانب أو من محلّلين سياسيّين من داخل القطر أو من خارجه سواء أكانوا في صف النظام أو من معارضي النظام بأن التسليم بكل شيء للأجندة الأمريكية والغربية سينقذ رأس النظام أو سينقذ الشعب والوطن من الكارثة التي خطّط لها أعداء سوريا منذ زمن بعيد ، فالعدو الإسرائيلي وبدعم واضح من القوى المهيمنة على الساحة الدولية لها مصلحة في تمزيق الوطن العربي وتجزئة المجزأ ، ويبدو أن الوقت قد حان لذلك فالعراق كما أرادوه أصبح كيانات طائفية وقومية ولبنان يعيش هذا الواقع منذ زمن بعيد ويتم الآن تجذير هذا الواقع في الحياة اللبنانية ، وسوريا الآن أصبحت محط الأنظار ، المخطّط الإسرائيلي لتفتيت الدول المحيطة بها إلى كيانات طائفية وعرقية من نتاج قرار مجلس الأمن 242 وهذا وذاك من مخطّط مشبوه ورد ذكره في بروتوكولات حكماء صهيون لتخريب العالم ، فهل يعي مقدّموا النصائح هذه المخطّطات القديمة الحديثة ، أعتقد أنهم يعوها أكثر من غيرهم فلماذا إذن يسيرون في هذا الطريق . ومن جانب آخر فإنّ إعطاء النصح لسوريا بتجاهل قرارات مجلس الأمن والشرعية الدولية هو في غير محلّه وليس هو الشيء الصحيح والمفيد لسوريا ، فلا هذا وذاك ، ولسنا الآن في معرض تحليل الأسباب التي أوصلت النظام في سوريا إلى هذه النتائج فطبعاً لا يمكن فصل النتائج عن أسبابها ، وهنا لا مجال للعودة إلى الوراء لأن الوقت قصير ولا يسمح بذلك ، لذلك كان لا بد من مواجهة الواقع الذي فرض على النظام وعلى سوريا برباطة جأش وبهدوء وتمعّن لتحصين جبهة الدفاع عن الوطن في وجه هذه الهجمة العدائية الشرسة التي تنال الأرض والشعب وهنا يبرز دور النظام القائم وقدرته على قيادة السفينة والإمساك بدفّتها للوصول إلى شاطىء الأمان فتنجوا السفينة من الغرق ويصل ركابها سالمين نتيجة للقيادة الواعية والشجاعة التي يمكن أن يتحلى بها ربّانها ،

وهنا لا بد من السؤال : هل يجب أن يكون بين ركّاب السفينة أناس متعادون متخاصمون يحاول كل منهم إغراق السفينة بالآخر ، أم يجب أن يكونوا جميعاً يداً واحدة متماسكين متعاونين للوصول معاً إلى الشاطىء بسلام ، هنا تبرز حنكة القائد وقدرته على القيادة واختياره مصلحة شعبه ومصلحة الوطن فوق المصالح الشخصية والفئوية ، كل ذلك يقود إلى النتيجة التي لا مناص منها للخلاص وهي توحيد الصف الداخلي في مواجهة العدو القادم والذي أصبح على الأبواب ، في العراق ساهمت المعارضة في الوصول إلى ما نراه ونسمع به ، ركبت الدبابة الأمريكية فقتلت الشعب قبل أن تقتل النظام وقسّمت الأرض قبل تقسيم النظام ، ولا أدل على ذلك فالدماء تسيل كل يوم وكل ساعة وفي كل ساحات ومدن العراق بدون تمييز بينما أركان النظام وعلى رأسهم صدام يقف آمناً في سجنه محروساً باسم محاكمته وأزلامه محاكمة عادلة فتشكّل لهم محكمة خاصة يتوخّى فيها وفي المحاكمة الأصول القانونية والإجرائية في الشكل والمضمون ما لم يُتح هو ذلك لأبناء شعبه في أية محاكمة جرت خلال عهده ، أما ما نراه اليوم من تقسيم العراق إلى فيدراليات طائفية وعرقية على الأرض وأقاليم تشكل كيانات سياسية أصبحت واقعاً ملموساً لم نكن لنصدّقه في يوم من الأيّام ، كل هذا حدث رغم التنازلات التي قدّمها النظام العراقي للمجتمع الدولي ولقراراته التي رسمتها ونفّذتها الولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل باسم المجتمع الدولي وشرعيته .

فهل نحن بمنأى عن ذلك وما السبيل إلى منع ذلك ، أعود لأقول لا شيء يمنع ذلك إلاّ التلاحم الداخلي ، إلاّ وحدة الصف الداخلي ونحن جميعاً في سوريا نسعى إليها وأعتقد بأ ن النظام في سوريا يدرك ذلك ويعمل لتحقيقه ، ولكن ليكن العمل من أجل هذا التلاحم أكثر جرأة وأكثر مصداقية ، وإنني أشك بأنّه لا زال البعض من أركان النظام يرى أنّ عملاً كهذا قد يودي بهم وبمصالحهم وهؤلاء هم العثرة التي لا بد للقيادة الوطنية أن تتخطّاها بكل قوة ووبكل عزيمة . المعارضة السورية كما نسمع في كل يوم وعلى لسان كل ممثليها من مجتمع مدني إلى مثقفين ، إلى حتى الأعضاء في الجبهة الوطنية الحاكمة في سوريا ومنهم أعضاء في حزب البعث ، إلى حتى الإخوان المسلمين الذين قادوا في الماضي حملة مسلّحة ضد النظام ، كل هؤلاء جميعاً يتنادون في الداخل والخارج إلى توحيد الصف وتوحيد الكلمة ويطالبون النظام بأن يفتح الباب للجميع متنادين في إعلانات كثيرة منذ عام 2000 وحتى إعلان دمشق الأخير ، فهل يبادر النظام إلى القيام بدور الفاعل والموحّد لهذه الطاقات جميعها ، فهل يبادر النظام ويسرع في مبادرته قبل فوات الأوان ، أعتقد أن الفرصة لا زالت سانحة أمام النظام في سوريا لأن يتخذ قراراً بالمبادرة ويتجاوز المشكّكين والفاسدين من أزلامه الذين لا زالوا يسيطرون على بعض المفاصل الرئيسية فيه وذلك من أجل سوريا الشعب والوطن .

فلا النصائح بالتنازل عن السيادة ولا الاستسلام للأجندة القادمة من وراء البحار هي المنقذ ولا شراء السلاح والمقاومة العسكرية هو المنقذ ولا الاعتماد على الأصدقاء الذين رفعوا أيديهم بالإيجاب ضد مصلحة سوريا وقبل إعلان التصويت في في مجلس الأمن هو المنقذ ولا النصائح المعطاة من هذه العاصمة العربية أو تلك ولا الوساطات العربية مع صنّاع القرار في مجلس الأمن هي المنقذة أيضاً ، لقد جُرّبت جميعها في العراق وفي الكثير من دول العالم وكانت غير مفيدة أو مجدية ، المنقذ الوحيد من هذه الأزمة هي وحدة الصف الداخلي وتلاحم الشعب بكل فئاته في وجه هذه الهجمة القادمة ، وهذا يأتي بقرار جريء وشجاع من رأس النظام وبقرار سياسي مستوحى من مصلحة الشعب والوطن لا من مصلحة المتربّعين على عرش الفساد والذين سيدافعون عن عروشهم ومصالحهم مضحّين بالوطن شعباً وأرضاً ناسين أو متناسين بأنّهم هم أوّل من سيسقط في الطريق لأن جذورهم سطحية وأنّ الوطن سيبقى وسينهض من محنته رغم المأسا ة كل أطياف المعارضة وعلى جميع مستوياتها ورغم التنكيل المستمر بها والتي لا زال بعض رموزها في سجون انفرادية بالرغم من أنّهم لم يقدّموا أي إساءة لهذا الوطن وإنّما ما قدّموه هو لرفعة الوطن ، هؤلاء لا زالوا يقبعون في زنزاناتهم الإنفرادية رغم اعتلال صحّتهم ، هؤلاء لم يرفعوا عصا في وجه النظام ، كان همّهم وضع الخطط لإنقاذ الوطن والشعب من الأخطاء وخاصة الإقتصادية ، ومحاربة الفساد والمفسدين ، لم يتنادوا يوماً لقلب النظام ولا يرغبون بأي سلطة ، لم يكن لهم مصلحة إلاّ مصلحة الوطن والشعب فهل بادر النظام إلى إطلاق سراحهم ، فليكن أهل النظام جديرون بحمل المسؤولية وحمل الأمانة في مثل هذه الظروف الصعبة ، وكما قيل " ما حكّ جلدك غير ظفرك " وما من أحد سيدافع عن سوريا إلاّ أبنائها المخلصين الأوفياء فلنكن جميعاً أشد إخلاصاً في هذه المرحلة ، يداً واحدة ، لإبعاد الأذى عنك يا سوريا .