ضيا اسكندر

(يا زلمه! العالم وين, ونحنا وين! بدلاً من زيادة مفروشات البيت واقتناء غرض جديد واحد على الأقل كل عام, نحن على العكس, كل سنة ينقص بيتنا غرضاً من موجوداته!)

صفعت أم عبدو زوجها بهذا الموال الذي تُسمعه إياه أربع مرات بالشهر, وتحديداً كل يوم خميس! لتمنعه من الاستمتاع بعطلة نهاية الأسبوع, كشكل من أشكال الانتقام من واقعها التعس, والذي تحمّل زوجها نسبة كبيرة من أسبابه. إلاّ أن ضيق الحال وازدياد أوضاعه سوءاً, جعله يدير لها أذنه الصماء و يفكر في بيع التلفزيون؛ فهو (14) بوصة وأبيض وأسود، يعني بالعربي الفصيح بطل موديله. وليس مستبعداً في قادم الأيام أن يتمكن من شراء تلفزيون ملوّن, سيما أنه لا يفوّت سحب اليانصيب أبداً..

اقترح على جاره البقال شراء التلفزيون ليتسلّى به في أوقات فراغه. وتمت الصفقة بمبلغ (1000) ليرة. اشترى أبو عبدو بنصف المبلغ لحمة عجل ليشبع جوعه التاريخي مع أفراد أسرته. والنصف الباقي قرر أن يسدد به الاشتراك الشهري للجمعية السكنية التي زارها آخر مرة منذ ثلاثة أشهر. والمنتسب إليها منذ أكثر من خمسة عشر عاماً دون أن يستطيع – ويبدو أنه لن يستطيع – الحصول منها على مسكن العمر لألف سبب وسبب.. ومع ذلك, يخالجه أمل بين الحين والآخر, بأن معجزة ما قد تحصل ويتحقق حلمه المستحيل هذا..

عندما دخل مقر الجمعية, أحبّ أن يسلّم على أعضاء مجلس الإدارة, الذين استقبلوه بحفاوة وقال له أحدهم: جئت بوقتك يا أبا عبدو! وفّرت علينا عناء تبليغك موعد انعقاد اجتماع الهيئة العامة... أجابهم ببرود وكأنه لا يعنيه هذا الموضوع إطلاقاً أنه لا يرغب بذلك!

وبعد سلسلة طويلة من المناقشات تمّ إقناع أبي عبدو جزئياً بوجوب حضور الاجتماع, فقال لهم:

- يا عمّي! أنا لساني طويل... اسمعوا من هذه الذقن واعْفوني من حضور الاجتماع!

فأجابه أحد أعضاء مجلس الإدارة بعتاب:

- إذا كل واحد منكم اعتذر عن الحضور..! كيف سيكتمل النصاب؟ أنت شخصياً, لم يسبق لك أن حضرت أيّ اجتماع للهيئة العامة يا حبيب! كله على بعضه ساعة زمن, وبعدها ننتقل إلى أحد المطاعم ونحتفل بتجديد ثقتكم بنا...!

- (مبتسماً بخبث) هل تطعمونني كباباً؟!

- يا سيدي! ولحمة شقف, وسمك, وفروج! ماذا قلت؟

- طيب, أجرة الذهاب إلى المطعم والإياب منه, على مَن؟

- يا سيدي علينا! كل ضيوفنا معهم سيارات... لا تشغل بالك من هذه الناحية أبداً!

- توكلنا على الله!

- لا تنسى حبيب! نحن دائماً نضع موعدين لعقد الاجتماع, لا تعذّب حالك وتأتي في الموعد الأول الذي هو يوم الخميس القادم, بل تعال في الموعد الثاني يوم الجمعة الساعة الحادية عشرة صباحاً, لأنه بالعادة لا يكتمل النصاب في الموعد الأول...

- (نهض واقفاً محاولاً ثنْيهم عن الدعوة) لآخر مرة أنصحكم بالاستغناء عن حضوري! يا جماعة والله لا أضمن نفسي أبداً... ستندمون هاه؟!

- (ضاحكاً) يا سيدي! يشرّفنا حضورك! الجمعية جمعيتك! أنت من قدامى المنتسبين إليها ويسرّنا أن نكسب ثقتك.

في الموعد المحدد, وكما أوصوه, حضر إلى مقر عقد الاجتماع.. هاله أن رأى كل أعضاء مجلس الإدارة والذين اعتاد على رؤيتهم دائماً بربطات العنق الملونة والجميلة أنهم - وكأن ثمة اتفاق فيما بينهم - ولا واحد منهم يرتدي ربطة عنق! حتى أن بعضهم لم يحلق ذقنه! ضحك في سرّه قائلاً: " لكي يظهروا أنهم من عامة الناس, مثلهم مثلنا..."

رحبوا به أيّما ترحيب, وانبرى أحدهم مقدماً له قرنفلة حمراء وضعها له في عروة سترته... شكرهم ودخل القاعة.. واختار النسق الأول من الصفوف, فتقدم منه أحد موظفي الجمعية معتذراً منه بلباقة بأن النسقين الأول والثاني مخصصان للضيوف, ورجاه أن يختار مقعداً فيما تبقّى من الصفوف! امتثل أبوعبدو ممتعضاً وجلس نكاية في المقعد الأخير, وبدأت القاعة تغصّ بالحضور تدريجياً.

عند تمام الثانية عشرة أقبل الضيوف؛ من الاتحاد التعاوني السكني ومن الحزب ومن الخدمات الفنية وبعض رؤساء مجالس الإدارة من جمعيات مماثلة ومندوبين عن أهم الفروع الأمنية في المحافظة... وافتُتحت أعمال الاجتماع.

بعد أن رحّب رئيس مجلس إدارة الجمعية بالحضور, طلب منهم الوقوف دقيقة صمت حداداً على أرواح شهداء الأمة, ثم طلب من رئيس الاتحاد التعاوني السكني أن يبدأ أعمال الاجتماع بكلمة توجيهية منه, فصعد إلى المنبر هذا الأخير واستهلّ مداخلته قائلاً وبمنتهى الرصانة والجدية:

بادئ ذي بدء, أنقل لكم تحية ومحبة قائد هذه الأمة السيد الرئيس.. (وقبل أن يكمل عبارته, ضجّت القاعة بالتصفيق.. إلاّ أبا عبدو! انتظر إلى أن هدأت القاعة, فقام رافعاً يده معترضاً وبصوت جهوري قال):

- عفواً يا إخوان! إذا كان الاجتماع سيفتتح أعماله بالكذب والنفاق... فماذا سنترك لنتائجه؟! (موجهاً كلامه إلى رئيس الاتحاد بتهكّم) هل حضرتك قابلْت السيد الرئيس, وكلّفك شخصياً بنقل تحياته وتمنياته وما بعرف شو.. إلى هذا الاجتماع؟! ولكْ كونوا مرة بالعمر صادقين, عندما تتحدثون إلى المواطنين كمسؤولين... العمى ضربكم العمى..!

وبحركة رؤوس موحدة, التفت الجميع صوب أبي عبدو بذهول وعدم تصديق! واكفهرّت وجوه أعضاء مجلس الإدارة وضيوفهم, وخاصة وجه رئيس الاتحاد الذي احمرّت أذناه وجحظت عيناه وقطّب جبينه عابساً متسائلاً بنبرة غضوبة: من هذا؟!

فأجابه أبو عبدو بعصبية:

- أنا عضو في هذه الجمعية أستاذ! ومن حقي أن أبدي ما لديّ من ملاحظات وتعليقات... لمعلومك أستاذ! أنا لا أمقت شيئاً في هذه الدنيا أكثر من التملق والزلفى والمجاملات... و ..

- ولكن هناك أصول وقواعد للتحدث يا بني آدم!.. قل ما تريد ولكن عندما يأتي دورك! ألا تعلم أن ألف باء آداب الحوار هو عدم المقاطعة؟ أم أنك قادم من خلف البقر وتجهل هذه المسلّمات؟؟!!.

- احترمْ نفسك أستاذ! أنا لا أسمح لك بإهانتي أبداً.... مفهوم؟!

- (بنبرة متعجرفة) لا‍! بالله شو‍..!

- (مزمجراً) شو يشويك وْلاه..!

وساد القاعة همهمات قلقة, ثم علت أصوات بعض أعضاء مجلس الإدارة احتجاجاً على قلة ذوق أبي عبدو وعلى سلاطة لسانه ووقاحته.. وطلبوا منه مغادرة القاعة فوراً!

تقدّم أبو عبدو من المنصة وهم يرغي ويزبد وخاطبهم قائلاً:

بالناقص منكم! قلت لكم منذ البداية, إن حضوري لن يجلب لكم السعادة, لم تقتنعوا وأصررتم.. الحق عليّ أنني سمعت منكم وجئت إلى هنا. عمّي! المكتوب يُقرأ من عنوانه, الله وكيلكم أعرف ماذا سيدور في هذا الاجتماع من الطقطق إلى السلام عليكم, حتى برقية الولاء والوفاء التي ستطيّرونها في نهاية الاجتماع إلى القيادة السياسية كما جرت العادة في جميع مؤتمراتكم واجتماعاتكم ولقاءاتكم... أدرك تفاصيلها وكأنها أمامي... تضربوا منكم ومن هيك اجتماعات... عمّي! بالمشرمحي, كل هذا اللعي لا يطعمني خبزاً, أعترف أنكم شطار وبارعون في كل شيء وخاصة في مجال البروظة وكثرة الحكي وأكل لحم الأكتاف, وإذا أردتم إزاحة هذه المعرفة المترسّخة لديّ عنكم, ناضلوا يا مناضلين لتوزيع الأراضي على الجمعيات السكنية بالمجان... لتعديل الفائدة القانونية على القرض العقاري.. لتكن مدة القرض ثلاثين عاماً.. ولتكن الجمعيات مدعومة من قبل الدولة.. لنحارب النهب والفساد الذي أزكم الأنوف من رائحته النتنة...إلخ من القضايا التي تحقق مصالحنا... أم أنكم منهمكون بالإعداد لمزيد من الشفط واللهط والزعبرة, يلعن أبوكم واحد يقول للثاني..

وغادر القاعة مبربراً, فلحقه ثلاثة رجال عابسي الوجوه..