علي سمودي

بمرارة والم تستقبل ام اسامة السيلاوي يوم الثامن من اذار الذي خصصه العالم لتكريم المراة والتضامن معها ودعم نضالها العادل لتحسين اوضاعها ونيل حقوقها. ولكن لهذه المناسبة في حياة المراة الفلسطينية شكل آخر يترجم لحظات الألم القاسية التي تعايشها جراء فقدان زوج او ابن.. وفي حالة ام اسامة فانها تفتقد في هذا اليوم اثنين معا, الاول كامل الذي استشهد برصاص الاحتلال قبل عامين والثاني اسامه الذي يرزح خلف القضبان منذ اكثر من عشر سنوات, كبرت خلالها ابنته الوحيدة التي ولدت بعد اعتقاله ولم تنام في حضنه ولم تسملها يداه لحظة واحدة."انه يوم يذكر العالم بعمق جرحنا وحقيقة مأساتنا"، تقول ام اسامة. "ففي هذه المناسبات نفتقد الاحبة، ونتذكر مدى خذلان العالم لشعبنا, الشعب الوحيد الذي لا زال يعيش تحت وطأة الظلم والاحتلال, ويدفع الثمن من حياته ومتسقبله ومستقبل ابناءه، فاي ضمير او شريعه تجيز هذا الواقع؟" وتضيف: "اي امراة في العالم تقاسي كالمراة الفلسطينية التي تدفع ثمن حلمها العادي والبسيط في الكرامة والحرية والاستقلال وهو الحلم الذي كفلته كافة الشرائع والقوانين والاعراف وتنكرت له اسرائيل التي تواصل اعتقال نجلي الاكبر ووحيدي الان بعد رحيله شقيقه كامل. فقد اعتقل اسامة في عام 1989 في الانتفاضه الاولى وعمره لم يتجاوز 18 عاما ويمضي حكما بالسجن المؤبد وذنبه وتهمته انه حلم بالحرية ورفض العبودية. وخلف القضبان كبر اسامه وكبرت ابنته وهي تحرم من حنانه.. ابسط حقوقها ممنوعه حتى اشعار اخر بقرار من الاحتلال".

امنة الصباغ وحكاية اخرى من المخيم..

اما امنة الصباغ فان تفاصيل حكايتها لا تختلف كثيرا بل يأتي الثامن من اذار ليفتح جراحها واحزان كل امراة فلسطينية في مخيم جنين. وتقول: "في الثامن من اذار نوجه صرخة من قلب مخيم جنين لكل ضمير حي في العالم ليخلصنا من هذه المأساة المستمرة منذ النكبة.. فرحلة تشردنا مستمرة ويوميا نتعرض لأشكال العدوان والقمع وحرب ظالمة لا تنتهي.. تعرض بيتي للتدمير عدة مرات، وهدموا منزلنا مرتين وولدي استشهد وابني الاخر في السجن, فهل يشعر المتداعون للمطالبة بحق المراة بمدى الحزن الذي تعيشه نساء المخيم وهن يستقبلن المناسبة تلو الاخرى، والعيد تلو العيد بدون ابناء او مأوى.. وحتى حفيدي الذي انتظرته سنوات يولد بلا اب بعدما قتل الجيش الاسرائيلي والده علاء الصباغ في ريعان الشباب.

عندما تعجز الكلمات..

وبينما نساء العالم يتفنن في اشكال الاحتفال بيوم المرأة, فان ام علاء الصباغ وغيرها من الامهات الثكالى في المخيم توجهن صبيحة هذا اليوم الى مقبرة الشهداء وكل منهن تقاوم حزنها بتزيين اضرحتهم وترديد دعوات القلوب الصادقة لتنجلي هذه الغمامة السوداء عن ارض فلسطين.. ام علاء لم تحضر كلمة لتلقيها في هذه المناسبة، بل جلست فوق رأس علاء تردد الدعاء لله ان يتقبل ابنها شهيدا وان يمد في عمرها لتربي ابنه زياد الذي لم يتجاوز الاسبوعين عند استشهاد والده وليفرج كرب ابنها محمد القابع في سجون الاحتلال منذ 14 عاما يقضي فيها حكما بالسجن المؤبد ثلاث مرات.

ذكريات الشهداء..

الى جانبها كانت تجلس نوال السعدي بمحاذاة ضريحي نجليها التوأم عبد الكريم وابراهيم بسام السعدي اللذين استشهدا قبل عامين بعد فترة بسيطة من استشهاد جدتهما الحاجة بهجه وابن عمهما الصغير بسام. وبشموخ وأباء قالت: "هذا واقع الام الفلسطينية في الثامن من اذار, وهو ليس بجديد، فهذه المآسي ليست وليدة هذه المرحلة بل منذ بدأت المؤامرة الكبرى. واجراءات الاحتلال تطاردنا لتسلبنا حياتنا وفرحتنا واغلى ما نملك". وتضيف: "فلم ننعم بيوم هانئ او مستقر دون احزان او دموع ولا يمر علينا لحظة دون معاناة, فالى متى ستبقى المرأة الفلسطينية محاصرة تعيش القلق والألم ولا تتوقع الا الدموع والاحزان".

نموذج اخر..

وللحزن صور تقشعر من هولها الابدان في منزل المعتقل إبراهيم جبر الذي استقبلت زوجته يوم المرأة باستمرار اعتقال زوجها وبفقدان ولدها الاكبر مصعب. وتقول: "حزنت كثيرا والجميع يتحدث عن يوم المراة, وزوجي يرزخ خلف القضبان فقد اعتقلوه قبل ثلاثة اعوام وقوات الاحتلال تمنع زيارته.. أي حياة يمكن ان يعيشها اطفال دون والدهم وحتى ابني الاكبر مضى على استشهاده عامين . هذه الظروف جعلت ام مصعب حزينة وتوجه كلمه لنساء العالم قالت فيها: "نريد منكم ومن نساء العالم شيء واحد: ان تضعوا حدا لمعاناة شعبنا ومعتقلينا, لا نريد هدايا ولا ورود ولا خطابات ولا بيانات, نريد حرية اسرانا فظروف السجن قاسية والاحتلال يصر على قهرهم واهانتهم".

نساء المخيم.. نساء مخيم جنين لم يشاركن نساء العالم فرحتهن بالثامن من آذار، فلكل واحدة منهن همومها وآلامها ومعاناتها التي خلفها جرح نيسان 2004، والاجتياحات المتكررة يوميا, والتي جعلتهن ينسين كل المناسبات والاعياد.. فام جميل لا زالت تنتظر بدء البناء في منزلها الذي هدم في إثناء معركة نيسان. وتمضي لحظاتها بالتردد على انقاض المنزل ومكاتب الصليب للاطمئنان على نجلها علي وانسبائها الثلاثه المعتقلين. وام نضال النوباني الذي استشهد اثنين من ابنائها في معركة المخيم، وهدم الاحتلال منازلهم لا زالت تبكي وتتذكر لحظات الاجتياح المريرة والتي حولت حياتها لجحيم.. ورواند التي لم تتجاوز السنوات الاربعة عشر لا زالت تمسح دموع والدتها التي تكرس حياتها لتربيتها وأخوتها بعد استشهاد والدهم مصطفى الشلبي في معركة المخيم، وكانت هديتها لوالدتها في آذار قصيدة جديدة عن ملحمة المخيم. اما والدة المقعد جمال الفايد الذي دفنته الجرافات تحت انقاض منزلهم فلم تيأس، ولا زالت تبحث عن اشلائه التي اختفت. وكذلك عائشة التركمان فانها استقبلت آذار بالدموع والاحزان التي لن تنتهي، كما تقول، "فبعد يأسي في معرفة مصير ابني الذي اصيب خلال قصف المخيم, وبعد عام من الانتظار لم يكن امامنا الا التسليم بالامر الواقع واعتباره شهيدا.. أي قانون او شريعة تجيز ذلك, انني اناشد العالم ان يكون لجانب المراة الفلسطينية لمرة واحدة فيقول الحق ويضع حدا لعذاباتها. فما نتعرض له موت بطيء وفق مخطط مبرمج, فهل هذه هي حقوق المراة؟ ام ان معنى الحق وشكله يصبح مختلفا عندما يكون المقصود به الفلسطيني؟ باسم دموعنا والالامنا اقول يا نساء العالم تحركوا واشعروا، فقد طال الانتظار وكبر الجرح ولم نعد نحتمل الظلم والالم".