في الوقت الذي كانت الأنظار تتركز على الملف النووي الإيراني وما سينتهي إليه الصراع الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية لمنع طهران من المضي في برنامجها النووي. كانت هناك مباراة أخرى في نفس السباق تدور على الساحة ولا تحظى ـ لأسباب عديدة ـ بنفس الاهتمام، رغم أن آثارها البعيدة المدى ستكون أهم وأخطر.

ففي الوقت الذي تخوض فيه واشنطن المعركة ضد إيران، كان الرئيس الأميركي بوش يضع علامات جديدة على المشهد الاستراتيجي في شبه القارة الهندية عبر زيارة شديدة الأهمية لكل من الهند وباكستان، تعطي نتائجها مؤشرات على الصراع القادم في هذه المنطقة الراقدة على حدود الصين بكل ما تمثله من هواجس اقتصادية وعسكرية لواشنطن.

وقد كانت باكستان دائماً جزءاً من الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، وكما كانت حليفاً في حرب أفغانستان ضد الوجود السوفييتي، استمرت كذلك بعد 11 سبتمبر حيث كانت طرفاً أساسيا في الحرب ضد طالبان والقاعدة.

وهو الأمر الذي أهلها للحصول على صفة «الحليف» لأميركا من خارج «الناتو» والحصول على صفقات من الأسلحة الأميركية المتطورة، كما جعل واشنطن تمنح تأييدها للجنرال مشرف لكي يجمع بين الرئاسة وقيادة الجيش بالمخالفة للدستور.

على الجانب الآخر شهدت العلاقات الأميركية الهندية تطورات إيجابية انتهت بالتوافق على شراكه استراتيجية تمثل جزءاً مهماً من سياسة بناء التحالفات مع القوى الآسيوية من أجل احتواء الخطر القادم من الصين ومنعها أن تكون منافسا حقيقيا على زعامة العالم.

ورغم أن علاقة واشنطن بكل من الهند وباكستان ارتبطت بمحاولات مستمرة لتطبيع العلاقات بين الجارين الآسيويين وتسوية النزاعات بينهما خاصة في ظل الحرب التي كان الجانبان يخوضانها ضد الاتجاهات المتشددة.

وفي ظل التوجه نحو تسوية عملية للأوضاع في كشمير.. رغم كل ذلك فإن التناقض الباكستاني ـ الهندي ظل موجوداً،خاصة مع إحساس باكستان بأن موازين القوى تزداد ميلاً لصالح الهند يوماً بعد يوم.

وهنا تجيء زيارة الرئيس الأميركي لتبرز سياسة الكيل بمكيالين بين الحليفين الهندي والباكستاني، ولتؤكد أن واشنطن حسمت خيارها بالاعتماد على الهند كشريك استراتيجي قادر على مساندتها في احتواء العملاق الصيني ومنعه من تحويل تقدمه الاقتصادي الكبير إلى قوة سياسية وعسكرية تهدد انفراد أميركا كقوة أعظم.

و أهم ما في الزيارة بلا شك هو اتفاقية التعاون النووي الأميركي الهندي، والتي تسمح لنيودلهي بالوصول إلى أحدث التكنولوجيا النووية، وشراء المفاعلات والوقود والحصول على الخبرة من أميركا وغيرها من الدول.

وقد بذلت أميركا جهودها لتسويق الاتفاق على أنه يساعد في وقف الاندفاع الهندي نحو إنتاج السلاح النووي، وهي محاولات تستهدف تهدئة مخاوف باكستان من ناحية، وإزالة الحرج في التباين بين الموقف الأميركي مع الهند وموقفها من الملف النووي الإيراني.

ولكن هذه المحاولات تصطدم مع الحقائق المعلنة حول الاتفاق الأميركي ـ الهندي والذي لا يمنع على الإطلاق من نمو القدرة الهندية على إنتاج الأسلحة النووية. فالاتفاق ينص فقط على فض التشابك بين المنشآت النووية المدنية والعسكرية.

وتملك الهند 23 مفاعلا، وافقت على تصنيف 14 منها كمنشآت مدنية تخضع للتفتيش الدولي، أما باقي المفاعلات فستظل منشآت عسكرية لا تخضع للتفتيش، وتستمر عمليات تطويرها وتحديثها لتكون أكثر قدرة على إنتاج الأسلحة النووية.

وينتقل بوش بعد ذلك إلى باكستان التي كانت تتطلع إلى شراكة اقتصادية، واتفاق نووي مماثل، فإذا بالرئيس الأميركي يكتفي بالإشارة لـ «شجاعة!» الرئيس الباكستاني برويز مشرف ويدعوه لمواصلة الحرب على «الإرهاب» .

وتعزيز التعاون الاستخباراتي ضد «القاعدة» ثم يعد بمنح بعض المعدات العسكرية، لكنه يرد على طلب باكستان عقد صفقة نووية مماثلة للصفقة مع الهند بوضوح وحسم قائلاً:

«لقد ناقشنا المشروع النووي السلمي، وأوضحت للرئيس مشرف أن الهند وباكستان دولتان مختلفان حجماً واحتياجات، كما أنهما مختلفتان من ناحية التاريخ، لذا يجب النظر إليهما نظرتين مختلفتين».

هكذا كانت الحصيلة : شهادة بالشجاعة للرئيس الباكستاني وتكليفات بتكثيف الجهود في الحرب ضد الإرهاب، مقابل اتفاق نووي مع الهند وإعلان من الرئيس بأن القضية قضية «تاريخ» وعلى كل طرف أن يدرك موقعه «التاريخي» كما تحدده واشنطن !!

وقد يؤدي ذلك إلى زيادة التوتر بين الهند وباكستان، وإلى تراجع احتمالات حل قضية كشمير، وستحاول باكستان تعويض الخلل العسكري وخاصة في المجال النووي بالتعاون مع الصين.

ولا شك أن كل ذلك موضوع في الاعتبار من الجانب الأميركي الذي يبدو أنه حسم أمره تجاه علاقة شراكة استراتيجية متقدمة مع الهند تنهي المخاوف القديمة من تحالف يجمع الهند والصين وروسيا

ويشكل تحدياً كبيراً لقدرة أميركا على الانفراد بزعامة العالم. ليكون البديل الآن هو تعظيم إمكانيات الهند العسكرية والاقتصادية لتكون نداً للصين ومنافساً لها على النفوذ وتحاصر امتدادها خارج الدائرة الآسيوية وتمنع اقترابها من منابع البترول!

القضية ليست فقط قضية «تاريخ» كما يطرحها الرئيس الأميركي.. إنها أيضا ـ وأولا ـ قضية جغرافيا، وقضية صراع استراتيجي يتم فيه ترتيب الأوراق لمنافسة شرسة سوف تمتد لعشرات السنين المقبلة.

وفي هذا الإطار فلن تهتم أميركا بالحديث مجدداً عن سياسة الكيل بمكيالين التي اتبعتها سابقا في الصراع العربي - الإسرائيلي، وتتبعها الآن في الملفات النووية، فتعطي للهند دعمها وتمنعه عن باكستان، بينما تخوض «أم المعارك» النووية ضد إيران، وتطالب العالم كله بإغماض العيون عن الترسانة النووية الإسرائيلية!

فليتحدث من يشاء وكيفما شاء عن المعايير المزدوجة والانحياز السافر والشرعية الغائبة.. الخ، فما يهم الولايات المتحدة هي مصالح خاصة لابد من ضمانها، ومشروع لإمبراطورية لابد أن تكتمل، واستراتيجية تؤكد على إجهاض أي قدرة لدى دولة أخرى لكي تكون منافساً في المستقبل للهيمنة الأميركية حتى ولو أدى الأمر إلى اتباع سياسة «الضربات أو الحروب الاستباقية.

» وفي هذا الإطار يتحدد الأصدقاء والأعداء، ويتحدد من يحصل على القدرات العسكرية والنووية حتى ولو لم يوقع معاهدة حظر الانتشار النووي ومن تمنع عنه حتى الطائرات الحديثة !

وما يهمنا هنا أن ندرك ـ كعرب ومسلمين ـ أننا لسنا بعيدين عن هذا الصراع.. لا بالتاريخ كما يقول الرئيس بوش، ولا بالجغرافيا التي تضعنا في قلب ساحة التنافس الاستراتيجي الذي سيمتد لعشرات السنين.

ولا بالمصالح التي تجعلنا طرفاً أساسيا لابد أن يمتلك القدرة على قراءة الأحداث والاستعداد للتعامل معها وامتلاك أدوات الدفاع عن مصالحه.. حتى لا ندفع الثمن من أمننا واستقرارنا ومستقبلنا.