وحده الرئيس الفلسطيني محمود عباس، بما يتوفر له وبين يديه من ’’شرعيات’’ شعبية ودستورية، في السلطة والمنظمة وحركة فتح، من يمتلك القدرة على الإجابة عن سؤال: من يملك مفاتيح إنقاذ ’’فتح’’ من مأزقها؟... ووحده الرئيس أبو مازن من بمقدوره أن يكفل - ومن موقعه - توازن النظام السياسي الفلسطيني، بعد أن دخل حقبة تداول السلطة، وانتقلت مقاليد ’’الحل والعقد’’ فيه - نظريا على الأقل - إلى حماس. من كان يظن أن حماس زاهدة في السلطة، أخطأ مرتين: الأولى عندما أخطأ في قراءة في دلالة ’’الدخول الكثيف’’ للحركة على خط الانتخابات وخوضها المنافسة على كل مقعد من مقاعد المجلس التشريعي، والثاني: إذ يعتقد اليوم بأن ’’حقبة حماس’’ ليس سوى ’’فاصلة زمنية مؤقتة’’ في التاريخ الفلسطيني المعاصر.

وأحسب أن ضرورات الحفاظ على توازن النظام السياسي الفلسطيني من جهة، وصون المشروع ’’الوطني الفلسطيني’’ ومنعه من الذوبان في ايديولوجيا المشروع الإسلامي الأوسع من جهة ثانية، والذود عن البرنامج الاجتماعي الثقافي للقوى التي هزمت في الانتخابات الفلسطينية الأخيرة من جهة ثالثة، تقتضي إعادة ترميم حركة فتح ومن مواقع المعارضة للسلطة، تماما مثلما فعلت حماس التي بنت نفوذها وقواعدها من مواقع المعارضة لسلطة فتح ومنظمة التحرير. وفي هذا السياق، لا تبدو الحركة العريقة قد استوعبت دروس الهزيمة ونتائجها، فما زلنا نشهد اصطراعا ضاريا بين ’’قبائل فتح’’ وتياراتها و’’أبواتها’’... ما زال هذه الكتلة السياسية الضخمة تتحرك بهلامية و’’سلحفائية’’ لكأن زلزال الخامس والعشرين من يناير لم يقع أبدا ولم يأت بأعلى ما يتيحه مقياس ’’ريختر’’ من تدرجات.

إن مسؤولة الرئيس الفلسطيني تتعدى السلطة وجودا ونهجا واتفاقيات، تتخطى منظمة التحرير الفلسطينية والمشاريع الرامية لإعادة هيكلتها وتفعليها، إلى البدء بحركة فتح التي ما زالت تعيش ’’فراغ القيادة التاريخية الكاريزمية’’. وأحسب أن الطريق الأصعب، لكن الأفعل والأضمن لإعادة تنظيم صفوف فتح، هو بالانفتاح على مئات وألوف الكوادر والشخصيات - غير الفتحاوية - في صيغة ’’مؤتمر وطني فلسطيني’’ على غرار المؤتمر الوطني في جنوب أفريقيا، ففي مثل هذا الإطار الجامع، يمكن ضخ مفردات جديدة إلى ’’الجدل الداخلي’’ في الحركة، يمكن تخطي مراكز القوى والنفوذ والأجندات المصطرعة داخل الحركة، يمكن توسيع فتح فعلا لا قولا إلى ائتلاف وطني عريض، ينهض على مشروع سياسي واجتماعي مدني ديمقراطي تعددي، يمكن توفير بديل انتقالي يملأ فراغ البدائل الأخرى، سيما وأن نتائج الانتخابات لم تسفر عن هزيمة فتح وحدها، بل وهزيمة منظمة التحرير بفصائل التاريخية المعروفة، فضلا عن الهزيمة ذات الدلالة الاجتماعية الأعمق: هزيمة العائلات والإقطاع السياسي. ندعو أبو مازن إلى إطلاق وقيادة حوار وطني منفتح ومفتوح، يبدأ بأزمة فتح وسبل الخروج منها، ولا ينتهي بالاكتفاء بالأطر والصياغات والمفردات التي اعتادت عليها الساحة السياسية الفلسطينية طوال أربعين عاما أو يزيد.