لو أن مليوناً اجتمعوا، قبل عام في بيروت، وهتفوا بحياة «المقاومة» وبندقيّتها، ولدوام «العلاقة الأخويّة» اللبنانيّة-السوريّة و»وحدة المسار والمصير» بين البلدين، فهل كان هذا ليشكّل حدثاً ضخماً ضخامة عدده؟

الجواب: لا. وهو ما لا يعود الى انحيازات في أجهزة الإعلام وتواطؤات في التلفزيونات، بل الى المضامين المفترضة في... «الحدث». ذاك أن تظاهرة كالموصوفة أعلاه تبقى «رسميّة» لجهة تعبيرها عن علاقات قائمة، ورفعها شعارات حاكمة، وتجاوبها مع قوى أمر واقع ومع مصالحها.

وبالمعنى هذا، فإن التظاهرة الموصوفة أعلاه لا تندرج، على رغم حجمها، في غير المتوقّع. إنها، على العكس، حدث مُنتظر، كلامها هو الكلام المقبول رسميّاً، والمطلوب رسميّاً، والذي يقال يوميّاً، لسبب وغير سبب، كما أن قواها هي التي تريد تثبيت المعمول به بدل تغييره.

واستطراداً، لا نكون أمام «حدث» تصنعه الجماهير، بل أمام جماهير مصنوعة بحدث هو، بدوره، مصنوع أصلاً وسلفاً. فهي، إذاً، تحضر على المسرح تكراريّاً واستعاديّاً لتردّد المألوف وتطارد التعلّق بمثالات جديدة أو معانقتها. وهو ما يضع تلك الجماهير في مقابل «الحدث» وفي مواجهته، قدر ما يجعل عددها عدديّاً بحتاً.

تلك كانت محنة تظاهرة 8 آذار (مارس) التي أنزلت الى الشارع نصف مليون يُبدون «الوفاء» لما هو قائم ويدعون الى إدامته وتأبيده. أما تظاهرة 14 آذار، التي تقع اليوم ذكراها السنويّة الأولى، فكانت «حدثاً» لأنها، تحديداً، عكس ذلك.

يومذاك لم يكن الفارق بين المليون ونصف المليون مجرد فارق عددي، ولا كان هذا أهم فوارقهما. لقد صنع حشد 14 آذار حدثاً. هذه هي المسألة. فأبناؤه جهروا برفضهم علاقاتٍ يقع الاستلحاق والتبعيّة، وكذلك العنف والجريمة، في صدارتها، مثلما رفضوا تعاويذ كلاميّة عن المقاومة والأخوّة والعروبة لا تتطلّب من أعضاء الجسد أكثر من استخدام اللسان والحنجرة. وهم، فوق هذا، حضنوا تحوّلاتٍ ترقى، إن لم تكن تاريخيّة، الى يقظة على حقائق سياسيّة كانت مُغيّبة عن مئات آلاف اللبنانيين.

وكان التشبيه بالمثال الأوكراني، كما كان الردّ الغاضب على التشبيه، بعيدي الدلالة. فبغضّ النظر عن مدى صحّة المماثلة، بقي أن ثمّة من يستجلب مثالات من خارج تجربته المحليّة التي كان تتويجها في اغتيال الرئيس الحريري، أو أقلّه، يحاول استجلابها. وكان، في المقابل، من يعمل على رسم الواقع والتاريخ عوداً على بدء بلا منتهى.

فتبدّى، على ما كتب الزميل صالح بشير، كما لو أن تطبّعاً وطنيّاً يغلب، ولو لتلك الوهلة فحسب، طبعاً طائفيّاً، أو كأن بدايات مدنيّة وسياسيّة تباشر هزّ الأركان الأهليّة المتوارثة. وهو تحدِّ ضخم ليس صانعو 14 آذار كلّهم مدركين معناه أو مُلمّين، بالضرورة، بدلالاته.

بيد أن الطاقة التأسيسيّة التي أقامت في 14 آذار هي وحدها ما يُستعاد إذا ما كُتب للبلد الصغير أن يتقدّم نحو صيرورته شعباً ووطناً، وأن تكون له سياسة، وأن ينوجد في المعاصرة...

أما نجاح الطبع الطائفي في أن يعاود ابتلاع التطبّع الوطني، وهو ما تتكاثر القرائن عليه، فبعض معانيه ماثل في طبيعة المهمّة نفسها. ذاك أن من يملك الجديد ويصنع الحدث يواجهه من الأسئلة ما لا يواجه الجالس على قديمه، النائم في سريره المعتاد. فهو عرضة لامتحانات أقسى ترسمها السويّة المرتفعة للتغيير والانعطاف عن المألوف التعيس.

وغني عن القول إنها امتحانات تستدعي ممن يحاول التغيير أن يتغيّر هو نفسه، فيما تستدعي من المدافعين عن الوضع القائم أن يؤكّدوا ما هم عليه ويكرّسوه