أدركت معظم الأحزاب السياسية الدينية العربية أهمية الخضوع لشروط العصر ومتطلبات "الديمقراطية" المفروضة والهبّة العالمية من أجل حقوق النساء، فزينت واجهاتها بعناصر نسائية حزبية ممن يملكن مقومات وقدرات وجدارة الوصول إلى مراكز متقدمة في أحزابهن، ولكن المشكلة أن هؤلاء لا يخرجن عن رؤية أحزابهن لدور النساء والتشريعات المتعلقة بالمرأة وتغيير القوانين، ولهذا وقفت النواب الإسلاميات في البرلمان الأردني في وجه تغيير التشريعات حول جرائم الشرف والجنسية والخلع.

ولهذا أيضا تهاجم نساء الأحزاب الليبراليات أو المستقلات في كل تجمع، ويحضرن مبكرات ويجلسن في المقاعد الأولى للاعتراض والرفض وتوجيه الاتهام بالتحرر والانحلال للمدافعات عن النساء وحقوقهن بل ونعتهن بما يصل أحيانا القدح والذم كما حدث في مؤتمر قاسم أمين في القاهرة، والمؤسف أن بعضهن طبيبات ومهندسات وأكاديميات يرين أنفسهن في منزلة أدنى من الرجل، ويطالبن بقوامة الرجل المطلقة، وأن تقر المرأة في بيتها إذا تمكن بعلها من الإنفاق عليها.

وإعلان حماس عن مقعد واحد لوزيرة في حكومتها الجديدة لم يخرج كثيرا عما كان مقررا من فتح كحزب حاكم، ليس بعيدا عن وزارات عربية كثيرة، ولكن تغيير التشريعات المتعلقة بالنساء يظل أقرب منالا مع الليبراليين منها إلى الأحزاب الدينية، خاصة بعد انفجار المتناقضات والانقسامات الطائفية والمذهبية التي عَلِقت مسألة حقوق النساء بينها. والمشكلة الكبرى هي في انقطاع الجسر بين الفكريْن الديني الذي يصل حد التكفير أحيانا، وكذلك غياب الحوار بين التراثية الأصولية والفكر النهضوي وانعكاس ذلك على الهوية الأنثوية العربية وكل ما يتعلق بها.

وإذا كان هناك وجود للمرأة في الحياة الوزارية والتشريعية فجلها جاء تعيينا أو بالكوتا، وهو ما جعل نسبة النساء في الوزارة في إيران تتفوق على معظم الدول العربية عدا ليبيا حيث وصلت إلى 12% حسب تقرير اليونيفيم. والفكر الديني قد يسمح بالاجتهاد في مسائل عدة ولكنه يثير زوبعة كلما اقترب أحدهم من مسائل النساء لاختلاط الموروث بالنص والتأويل في الذهنية الذكورية التي اطمأنت إلى وضعية المرأة، والدليل أن جميع الدول العربية تحفظت على المادة 16 من اتفاقية "القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة" وهي المادة المتعلقة بالحياة الأسرية والزوجية.

إن خروج النساء العربيات بأعداد كبيرة إلى التعليم والعمل ليس دليلا قاطعا على تحول فكري واجتماعي، فالمواقع تحققت بشكل رئيسي بدوافع اقتصادية، والدليل قوة عمل النساء في قطاعات الزراعة والمصانع والوظائف الدنيا وحتى البيوت، دون أن يؤدي هذا إلى تغير ملموس على مستوى التشريعات المتعلقة بحقوقهن، بل وتجهل غالبيتهن هذه الحقوق ولا يطالبن بها أصلا. ورغم الانفجار الكبير للجمعيات النسائية العربية حتى وصل عددها 225 ألف جمعية، إلا أن الاعتراض حول التشريعات المتعلقة بالنساء ما زال شديدا، بل إن أكثر ما يثير الجدل هو التعرض لمسائل النساء وحقوقهن رغم وضوح النص فيها، كما حدث مع الشيخ الأزهري الشقيق الأصغر لحسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين، حين تعرض لمسألة حق المرأة في تزويج نفسها دون الرجوع إلى أقاربها، وعلى الرغم من أن الرسول الكريم قبل ذلك في حادثة ليلى بنت الخطيم.

إن وضع المرأة في الأحزاب الدينية -وكما عند الأحزاب الليبرالية والحكومات- ما زال يحتاج الكثير من الدعم والعمل، فهي بعيدة عن مواقع صنع القرار في أحزابها ونقاباتها وإن شكلت نسبة عالية في الهيئات العامة، وإذا كانت الأحزاب الدينية قد أدخلت النساء في مجالس الشورى التابعة لها، إلا أن فكر هؤلاء النساء ونظرتهن للمرأة لا يتقاطعان أبدا مع رؤية الرجال لحقوق المرأة، وربما كن أكثر مغالاة من معظمهم في هذا الأمر، ومن هنا يبدو تغيير تشريعات وتحقيق مكاسب جديدة بعيد المنال، إلا بما يقرره ويرتضيه قادة الأحزاب من الرجال. إن مكتسبات المرأة الفلسطينية التي تحققت من خلال النضال والتعليم تبدو في خطر، إلا إذا فاجأتنا حماس بانقلاب فكري في نظرتها إلى دور المرأة وتعيينها في مواقع صنع القرار الحقيقي بعيدا عن تزيين واجهتها بنساء حزبها، وفي حماس بعض العقول المستنيرة والواعية لضرورة التغير الفكري الذي يتناسب ووصولها إلى الحكم، خاصة أن وضع المرأة الفلسطينية تراجع كثيرا مع الأزمات الاقتصادية والنضال وقلة الفرص التي تعرضت لها المنطقة وانحسار التعليم. إن التحدي الحقيقي أمام حماس ليس سياسيا فقط لإثبات قدرتها على التحول من الكفاح إلى إدارة شعب، بل في المحافظة على صورة هذا الشعب الحضارية واحترامه للمرأة وحقوقها.