دأبنا جميعاً على تفسير إخفاق الأحزاب الليبرالية واليسارية في الانتخابات العربية الأخيرة، إما بالإشارة إلى عملية الأسلمة التي مرت بها معظم مجتمعاتنا منذ سبعينيات القرن الماضي، ورتبت تبلور قواعد شعبية واسعة للتيارات الدينية وتهميش القوى العلمانية، أو بالرجوع إلى ضعف الرسالة السياسية المقدمة من جانب العلمانيين وهشاشة تنظيماتهم الحزبية، في ظل الممارسات القمعية للنظم الحاكمة وغياب التعددية. وهذه التفسيرات، وعلى الرغم مما لها من وجاهة، إنما تختزل على نحو مخلٍّ واقعاً مجتمعياً مركباً لا بد من تفصيل شرحه للوقوف على حدود الدور المستقبلي المحتمل للعلمانيين في صيرورة السياسة العربية. بدايةً، ومع الاعتراف بعمومية ظاهرة النزوع الديني في عالمنا، لا تصف مقولة الأسلمة سوى أحد جوانب تحولات المجتمعات العربية في اللحظة الراهنة، في حين ترتبط الجوانب الأخرى بظواهر من شاكلة هيمنة أنماط الحياة الغربية في المناطق الحضرية، وشيوع الثقافة الاستهلاكية وانتشار أوبئة الفقر والفساد والتهميش الاجتماعي بصورة غير مسبوقة. نظرياً تحمل مثل هذه الظواهر فرصاً لتطور حركات سياسية ليبرالية ويسارية، لها مساحة من التأييد الشعبي، استناداً إما إلى الدفاع الليبرالي عن الحريات الشخصية والمدنية في مقابل منطق المنع الديني، أو تشديد اليسار على العدالة الاجتماعية وحماية المهمشين. الغريب أن شيئاً من هذا لم يحدث في المجتمعات العربية، بل على العكس أعادت التيارات الإسلامية صياغة مسألة العدالة لتصبح شأناً دينياً في المقام الأول وطورت تدريجياً من خطابها لتنفتح على قضايا الحريات ساحبةً بذلك البساط من تحت أقدام العلمانيين. الأمر إذن يتعلق بعجز تلك القوى عن استغلال الفرص الاستراتيجية السانحة وبفشلها في صياغة خطاب سياسي يجتذب قطاعات شعبية واسعة.

هنا فإن إلقاء كامل مسؤولية العجز هذا على القمع الرسمي يُجانب الصواب. فالممارسات القمعية لنظم سلطوية حكمت في بعض الأحيان باسم آيديولوجيات علمانية، أفقدت الأحزاب الليبرالية واليسارية توازنها وانتقصت من بريق الفكرة العلمانية الشيء الكثير، فيما حرم انكسار الطبقات الوسطى في المجتمعات العربية الليبراليين من التجذر في الخريطة الاجتماعية، تماماً مثلما حالت سيطرة النظم الحاكمة على النقابات العمالية والمهنية بدون تواصل اليسار مع عمقه الاستراتيجي. إلا أن الصحيح كذلك أن التيارات الإسلامية، وعلى خلاف دفع العديد من العلمانيين العرب باحتضان النظم المتواصلة للإسلاميين، قد تحايلت على قمع رسمي أشد من خلال اللجوء إلى المجتمع واستغلال المساحات المتاحة للفعل المستقل، إن في المجال الدعوي أو مجال العمل الخيري، لتحشيد قواعد شعبية مؤيدة لها وحاملة لرسالتها السياسية في الريف والحضر، وفق ما أظهرته الخبرات المعاصرة للانتخابات التشريعية والبلدية في العديد من المجتمعات العربية.

أما العلمانيون فتقوقعوا على ذواتهم واختاروا إما تحالف الحد الأدنى مع النظم الحاكمة للحفاظ على وجودهم في الحياة السياسية، أو انسحبوا، خاصة الأجيال الجديدة من الليبراليين واليساريين العرب منذ ثمانينيات القرن الماضي، إلى المساحة المدنية الفاصلة بين الدولة ومؤسساتها وبين المواطنين، مشكلين منظمات حقوقية ومنتديات فكرية، اتسمت على الرغم من تبنيها لقضايا قطاعية، على درجة عالية من الأهمية مثل حقوق الإنسان ونشر ثقافة الديمقراطية والمشاركة بطابع نخبوي جلي حرمها من التأييد الشعبي، وفرض عليها هوية الجماعات المغلقة ذات الخطاب المتخصص غير المفهوم خارج حدودها. الأمر إذن أن التكالب على رضاء الحاكم والخوف من معارضته من جهة، وهجر السياسة والتركيز على المجتمع المدني من جهة أخرى، وهما الخياران الاستراتيجيان للقوى العلمانية العربية في العقود الماضية، سبّبا الإخراج الفعلي لهذه القوى من حسابات اللعبة السياسية التي صارت حكراً على النظم الحاكمة والتيارات الإسلامية.

يتأسس على ما سبق أن الشق الأكبر من مسؤولية إخفاق الأحزاب الليبرالية واليسارية تتحمله هي ذاتها، لتكمن مداخل تغيير وضعية وهنها الراهنة في إعادة النظر المبدئي والنقدي في الخيارات التي يطرحها المشهد السياسي العربي عليها. وقناعتي أن هناك ثلاث فرص رئيسية قد تمكن حين التعاطي معها بجدية، ومع افتراض عدم حدوث تغيرات راديكالية في نظم الحكم السلطوية القائمة، من تعافي العلمانيين في السنوات القليلة المقبلة.

تتمثل الفرصة الأولى في الخروج من شرنقة المجتمع المدني بتكوين أحزاب وحركات سياسية جديدة تتبنى قضايا الحرية (الليبراليون) والعدالة (اليسار) ويؤطر لها في سياق خطاب إصلاحي علني يرتكز على قيم المواطنة وحقوق الإنسان.

رمزية الصراع لا تعني في هذا السياق رفض الآخر الحكومي أو الإسلامي، إنما منازعتهم والضغط عليهم لدفعهم نحو سياسات أكثر انفتاحاً على مضامين الحرية والعدالة. فلن تمكن حسابات القوة الواقعية الليبراليين واليساريين في السنوات المقبلة منافسة قطبي السياسة العربية، وضعفهم البادي يجعلهم عرضة لقمع النظم ولاستعلاء الإسلاميين. غاية المراد إذن هي إضفاء المزيد من التنوع والحيوية على الخريطة السياسية والشروع العلماني في مخاطبة القواعد الشعبية بهدف اجتذابها تدريجياً. تقدم خبرة حركة كفاية المصرية وغيرها من الحركات الاحتجاجية الجديدة في المجتمعات العربية نموذجاً دالاً ينبئ، رغم كل معضلات العمل في بيئة سياسية سلطوية وإطار مجتمعي ذي نزوع ديني عام، بتزايد نسبي في إمكانية العلمانيين في تنظيم قدر من التأييد الشعبي من خلال الخروج إلى الشارع واستعادة ذاكرة العمل السياسي الكفاحي.

ترتبط الفرصة الثانية بالتداعيات الإيجابية للمشاركة في الانتخابات، تشريعية وبلدية، حتى في تلك الحالات التي تغيب عنها التنافسية والشفافية. فالانتخابات في النظم السلطوية تمنح الأحزاب والحركات المعارضة التي تخوض غمارها دينامية تحيي وجودها ودورها لدى المواطنين وتدفعها إلى إعادة النظر في رسالتها السياسية وبرامجها ورموزها في ضوء درجة قبولها العام وما أحوج القوى العلمانية العربية إلى ذلك.

أخيراً، تشكل الدينامية السياسية الراهنة في عدد من المجتمعات العربية فرصةً ذهبيةً للعلمانيين لصياغة أنماط جديدة من التحالفات مع إصلاحيي النظم الحاكمة ووسطيي التيارات الإسلامية لبلورة توافق وطني حول الفكرة الديمقراطية. وعلى الرغم من أن زاد العلمانية العربية هنا شحيح إذا ما قورن بهيمنة النظم وشعبية الإسلاميين، إلا أن له إن التزم بمفردات الحرية والعدالة من دون أن يحيد عنها قيد أنملة مصداقية أخلاقية عالية يفتقدها الطرفان الآخران.