تتحول الكلمات من لغة الى اخرى فيما يسمى الاقتراض اللغوي وحتى ضمن اللغة الواحدة من معنى الى اخر. وربما كانت اللغة العربية اكثر من اغنى اللغات الاخرى، خصوصا طبعا الاسبانية. ولكن عملية التلاقح اللغوي بدأت منذ تبادل الشعوب ولن تنتهي. والان توزع اللغة الانكليزية المصطلحات على سائر لغات العالم، مع انها هي ايضا نتاج لغات كثيرة، اهمها اللغتان الام، اليونانية واللاتينية. الاسبوع الماضي اقدم معارضو الرئيس اميل لحود على الدق على الطناجر، مطالبين باستقالته. واعتبروا «الطنجرة» آخر حالات السخرية. لكن هذا هو حال الطناجر اليوم. اما منشأ الكلمة فشديد النبل. وقد تحدرت الينا كلمة «طنجرة» من «تاناغرا»، وهو اسم قرية يونانية، اشتهرت بصناعة الفخار والجواهر. ونستخدم ايضا كلمة سفسطة اليونانية بمعنى الثرثرة وقول اشياء لا معنى لها. اما حقيقة الكلمة فيعود الى الفلاسفة السفسطائيين الذين كانوا يعتمدون العقل والمنطق. لكن يبدو ان احدا استخدم التعبير خطأ في المقام الاول، فقلّد الباقون الخطأ.

ويتداول اللبنانيون ـ والعرب ـ كثيرا هذه الايام كلمة «خريطة» مزارع شبعا. او «خرائط». والواقع ان اصل الكلمة يوناني «كارتيس»، اي الورق. وتجمعها العرب على خارطات، لا خرائط، لأنها اجنبية لا تكسر على فواعل. اما «الخوارط» عند العرب فهي الحمرُ السريعة التي لا يستقر العلف في بطنها ومفردها فارسي. وشاع عندنا ان بعض الكلمات اصلها تركي، كالبرطيل. والحقيقة ان الاصل فارسي ايضا. ويظن ان افندي اصلها تركية، والحقيقة انها يونانية وتعني السيد. وكان هذا اللقب الذي يحرص عليه رئيس وزراء لبنان الراحل رشيد كرامي، مع ان العامة يعتقدون ان افندي اقل من البك. وكذلك فإن كلمة باشا فارسية واصلها «بادشا» وكذلك كلمة خديوي.

ويقال ان كلمة صيدلي او صيدلاني هي نسبة الى مدينة صيدا او صيدون القديمة، لأن اهلها برعوا في صنع الأدوية. وهذا ما يقوله القاموس. وتذكر جنابك ان «القاموس» حرّفها العرب من «اوقيانوس»، ولذلك سمى بعض اللغويين قواميسهم «المحيط» او «محيط المحيط». ولا نزال الى الآن نستخدم بعض ما تركه لنا المترجمون الأولون، مثل «الصقالبة» اي السلافيون. ونقول الاقباط مع انها كلمة يونانية تعني المصري القديم. وهو ايضا اسم النيل عند الاغارقة. واحار في اجمال ما قيل في النيل. فربما كان قول شوقي «النيل نجاشي اسمر حليوه» وربما عفوية بيرم التونسي: «شمس الاصيل دهبت/ خوص النخيل يا نيل/ تحفة ومتصورة/ في صفحتك يا جميل.