ـ اللطم السياسي البعض ينام طويلاً ولا يستذكر شيئاً ينفع البلاد والعباد ؛ لكنه يفيق فجأة عندما يكون المقام مقام الاستقواء سهلاً على الشقيق أو الصديق ، يداعبون بذلك مزاج أعداء الوطن وأعداء الشقيق والصديق .. دون أن يغير هذا الأجنبي أو العدو من لهجته أو يغير شيئاً من مواقفه المعلنة وغير المعلنة ؛ الواضحة وضوح الشمس . ولا يقف هؤلاء البعض عند ذاك الحد ، بل ويوجهوا نيران استقوائهم على فئة من المواطنين ، فيثيروا غبار وعظام الإحن وثارات الماضي الصعب وغير المرحب به أو المشرف استذكاره كلما " دق كوز بجرة " ، حاثين هؤلاء البعض على يكون عنوان الحاضر والمستقبل ، ولو أن الأمر تعلق بمن يحاول المساس برأس الدولة الأردنية أو بمستقبلها < وهو كذلك > يتعلق بها ، كما سمعنا قبل أيام ، لما تجرؤا على المساس بهؤلاء الذين يتربصون بنا جميعاً الدوائر ، ذلك أن أولويات البعض معكوسة مغلوطة ومشوشة وغير حصيفة .

ـ العودة للنص قبل الردح كنت أستمع للرئيس العربي السوري د . بشار الأسد ، في بث مباشر للقائه الأول بمؤتمر الأحزاب العربية المنعقد في دمشق في الفترة بين 4 ـ 6 آذار الجاري ، وهو المؤتمر الذي كان منذ البدايات صناعة وولادة ؛ أردنية ، برعاية الملك الحسين طيب الله ثراه ، كما هو مقر الأمانة العامة للأحزاب العربية . ورداً على سؤال موجه لبشار الأسد من أحد الحضور حول الشعارات القطرية ، قال الأسد أن القول بـ الأردن أولاً أو مصر أولاً أو لبنان أولاً يجعل من حق الآخرين طرح نفس الشيء ، والتساؤل عما هو الثاني والثالث . ثم تحدث عن القطري والقومي وأولوياتهما .. مؤكداً على أهمية القطري على أن لا يكون على حساب ما هو قومي . وفي الحقيقة لم أجد في هذا الطرح ما يشكل مساساً بالأردن ، أو بغيره . بل إن ذلك ما نسمعه من رأس الدولة الأردنية الملك عبد الله الثاني ؛ ومن مسؤولين آخرين كبار ، من أن شعار الأردن أولاً ليس المقصود منه التخلي عن الواجبات القومية العربية . ولا هو نقيض للبعد القومي للأردن. كنت آمل العودة للنص والسياق الذي طرح فيه الموضوع ، قبل اللجوء إلى محاولات التأويل غير الدقيق لما حدث ، في وقت نحن كأمة أحوج ما نكون فيه إلى بعضنا ، وفي وقت تستهدف فيه سورية كنظام سياسي وشعب ومقدرات وحضارة ومستقبل ، فنزيد الطين بلة عليها . وكنت أرجو أن يكون العتب هادئاً لا هادراً ، بخاصة في الظرف الراهن ، بحيث لا يبدو فيه موقف البعض استغلالاً لما تمر به سورية في الوقت الراهن ، حتى لو كان الموقف السوري خاطئاً جملة وتفصيلاً ، فلا ندفع باتجاه إرباك العلاقات وتدمير المصالح المشتركة الكثيرة .

ـ أين مصلحة الأردن ؟ إن مصلحة الأردن تتركز في بقاء علاقاته قوية وحميمة مع دول الجوار العربي دون استثناء .. رضيت أمريكا وإسرائيل أم لم ترض .. بل إن حاجتهما وهيبتهما للأردن تكون أقوى مع استمرار هذه العلاقات قوية ، وتنتفي هذه الحاجة والمصلحة والهيبة مع ترديها (..) لقد تكبد الأردن كثيراً من جراء وقف منحة النفط العراقية التي الرئيس العراقي صدام حسين قد قررها للأردن على مدى 13 سنة مما وفر على الخزينة أموالاً طائلة ، وأسهم في الاستقرار السياسي والاقتصادي ، وأسهم معاً في تأمين سوق دائمة للصادرات الأردنية فضلاً عن المزايا الأخرى العديدة . مما لا يمكن لأي حجم مساعدات أخرى تعويضه . وفي الوقت الذي تستطيع أمريكا فيه إلزام بغداد باستمرار المنحة النفطية والمزايا الأخرى العديدة ، فإنها ترفض ذلك ، في وقت تضغط فيه علينا لإقامة أفضل العلاقات مع الحكومة الراهنة ، مما يتسبب في نوع من التوتر والاستياء الكامن جراء علاقات غير متوازنة (..) وفي وقت يبقى طليقاً من دمر القيمة الحقيقية للدينار الأردني ، بدعم أمريكي مباشر . إن عيوننا ينبغي أن تظل مفتوحة وعقولنا متنبهة تجاه أولئك الذين لا يريدون بهذا البلد خيراً ، ويريدون تقويض العرش الهاشمي في الأردن ، ولا يتوجهون بمعاقبة من يقول بعدم استمراره ، ولمن يصرون على أن تكون حدودهم مع الأردن مباشرة خارج إطار وخلاف المعاهدة الأردنية الإسرائيلية .

ـ شهادة .. وليس قولاً عن قيل كنت قد كتبت قبل أكثر من عامين مقالة ساخرة لعلها الوحيدة من نوعها بعنوان " صاحب العنزتين " ، أسخر فيها من زعيم عربي ، وما أن أرسلتها لجريدة البعث التي أراسلها من عمان ، حتى اتصل بي نائب رئيس التحرير الجريدة وقتذاك الياس مراد ، موجهاً اللوم لي ما هذا يا أخ شريف ، أعرفك كاتباً رصيناً ، نحن كما أخبرتك مراراً لسنا في وارد الإساءة لأي شقيق أو أي بلد عربي. وكانت الملاحظة ذاتها دائما تقال لي قبل وبعد هذه الملاحظة ، عندما كان يشتم من أي خبر ولو من بعيد أية إساءة للأردن أو لغيره . فيما كان يجري التأكيد عليّ دائماً بالاهتمام بالأخبار التي تخدم التوجه القومي العربي العام ، وتطوير العلاقات الأردنية السورية ، والفلسطينية السورية ، والفلسطينية الأردنية .. وما يكشف مجافاة إسرائيل وأمريكا للعملية السلمية ومصالح الأمة . وعندما نظم المركز الأردني للإعلام زيارة صحفية للعقبة ، وكنت أحد المشاركين في الزيارة ، كتبت مادة جميلة عنها ، بعثت بها إلى جريدة البعث ، فنشرت كما كتبتها على الصفحة الأولى لملحق البيئة . الأمر الذي دعا السفارة الأردنية في دمشق الاتصال قبل أن أعلم بالنشر بمدير عام المركز تعبيراً عن سرورها ، والذي دعا المدير العام بتوجيه شكره للجريدة ، وهو الشكر الذي نشر في عدد لاحق . وكانت جريدة البعث قد نشرت لي أكثر من مادة على صفحتها الأولى تتصل بتطور العلاقات الأردنية السورية وإيجابياتها .

ـ أعداؤنا هم العبء على الأردن .. ومصدر متاعبه الاقتصادية والسياسية .. ليس للأردن أعداء من الدول العربية ولا الإسلامية ؛ ولا من دول العالم الثالث .. أنظمة أو قوى سياسية أو مؤسسات اقتصادية .. بل إن الأردن عندما يستهدفه " الإرهاب " ، أو عندما يجانب البعض إقامة علاقات اقتصادية آمنة معه ؛ فلأنه يلتزم من طرف واحد ؛ بالمعاهدة الأردنية الإسرائيلية ، ولأن مصالح أمريكا في الأردن مؤمنة تماماً في وقت تحتل فيه العراق وتتدخل في الشؤون العربية الداخلية وتسعى لفرض أجنداتها عليها . ولأن إسرائيل ما زالت تحتل أراض عربية عديدة ، وتواصل اضطهاد الشعب العربي الفلسطيني وتهديد دولاً عربية وصديقة ، وتحاول " عبثاً في أحيان كثيرة " تمرير صادراتها عبر الأردن إلى دول عربية ملتزمة بقرارات المقاطعة العربية لإسرائيل . وعليه فلا داعٍ للخوف من تردي العلاقات معهما ، عندما تكون وحدتنا الوطنية راسخة لا مجال للنفاذ إليها عبر ضعاف النفوس ، وعندما تكون علاقاتنا العربية ـ العربية ومع الجميع متينة قوية حميمية ، ولا مصلحة لنا في تغليب الرضى الأمريكي الإسرائيلي على ما عداه ، لأن هذا الرضى لن يكون بديلاً لما ذكرنا .

ـ خلاصة ترى أليس من المهم ، أن نتروى ونمحص ونتأكد ولا نتعجل في سوء الفهم والاتهام ؟ أليس من الأولى التيقن بأن وحدتنا الداخلية معارضة وموالاة ، بكل أطياف نسيجنا الأردني ، هي الحصن الحصين لمستقبل الأردن الذي يسعى أعداءه للمساس به ؟ أليس من الجدير الثقة بأن دورنا يتعزز لا بالقطيعة مع الأشقاء وإنما بعمق وحميمية العلاقات معهم ، فهم أدوم لنا ونحن أدوم لهم . أليس من مصلحتنا تحجيم المصالح الأمريكية الإسرائيلية ، ولا أقول إعلان الحرب ، أو إلغاء المعاهدة أو اتفاقية التجارة العالمية (..) وإنما التذكر فقط بأن إسرائيل وأمريكا ليستا صديقتين حقيقتين للأردن ، وأنهما سيتخليان عن الأردن مؤسسة عرش وشعباً ونظام حكم ودولة عند أول منعطف ، عندما تتلاشى أهمية الأردن ودوره ، الذي لن يكون إلا مع استمرار علاقاته الجيدة مع شعبه وأمتيه العربية والإسلامية ، دون ذلك سيدفعون باتجاه أقوياء جدد يخدمون مصالحهم أكثر سواء من الداخل أو من الخارج ..