ماهر سمعان

بعد احتلال الولايات المتحدة للعراق واعلانها عن منهجها المبتكر في تأسيس الدول وإرساء الديمقراطية من خلال نظرية جديدة تدعى الفوضى البناءة. تصاعدت الأصوات الرافضة والمنددة في الدول العربية بمثل هذه السياسة العبثية التي تمارسها امريكا في العراق وتطمح ان تطبقها في المنطقة المفتقرة للديمقراطية وللشروط الملائمة لحياة مدنية ودول مستقرة.

يقف العالم العربي اليوم بين خيارين أساسيين اوصله اليهما التطرف في الرفض والقبول للأفكار والسياسات والدول وحتى الاشخاص فتحولت النظم الديكتاتورية العربية الى جنون في نظر معارضي امريكا واصبح الرؤساء الابديون العرب خيارهم المفضل وفي المقابل اتجه تيار آخر ليقف الى جانب امريكا (او هكذ يفضل البعض ان يصنفه) فيصبح بذلك خيارهم هو النموذج العراقي المرعب والطائفي ومعدوم الاستقرار

ان طريقة التفكير السطحية التي تسيطر على الشعب والقيادات والمفكرين العرب جعلت من الفكر والسياسة ينقسم كل منها الى ابيض واسود ما من تنوعات لونية او حتى درجات رمادية فإما ان تكون مع امريكا او مع الانظمة العربية الديكتاتورية... وبذلك دمجت كل متناقضات الفكر والممارسة والخطأ والصواب في موقف واحد يكاد يكون بذاته غير قادر على الحياة والاستمرار. فاذا نظرنا الى ما انتجته هذه الطريقة في التفكير فسنجد ان المواطن العربي اصبح يقف اما خيارين احلاهما مر... فمن جهة كانت الانظمة العربية الديكتاتورية ذات التاريخ العريق في تخريب المجتمع وقتل الحياة المدنية وخنق الحريات, ذات الشعار الاشهر "فرق تسد". انظمة يمكن تسمية نظريتها بالايدي الطليقة, فيها يتحول الحاكم الى إله له حق وقف الحياة او تركها, الغاء التنوع او استخدامه, يحق له التدخل وادارة حياة المواطن حتى اكثر تفاصيله خصوصية. نظام يتحول فيه عنصر الامن الى حاكم والانتماء الضيق الى طريق امثل نحو السيطرة على كل شيء والتحول الى يد طليقة ما من رادع ولا قانون يمكن ان يقف في وجهها او يردعها من فعل ما تريد متى ارادت... وفي المقلب الاخر كانت تقف امريكا بنموذجها العراقي, رمز لحالة اقرب ما تكون لغياب الحاكم تماما وغياب القوانين والانظمة في فوضى تسميها بالبناءة اسقطت آلهة الجميع وكفّر الجميع بعضهم حد القتل.

ان قراءة سريعة لمثل هذه الخيارات ستكشف لنا كم هي متشابهة وما فيها من التنوع ليس سوى في الاسم والمصطلحات... فالايدي طليقة في الحالتين والقوانين غائبة والفوضى موجودة ايضا وليست على ما يبدو من النوع البناء في أي من الحالين...

هل علينا ان نأمل من الانظمة ان يتخلى أشخاصها عن مكاسبهم وعن الأيدي الطليقة فيعطون الشعب اصلاحا وديمقراطية حقيقية؟!! ام ان نطلب من امريكا ان تصحح نظريتها الفوضوية لتأتي وتهبنا الديمقراطية؟!! او ربما علينا ان نعمل على انتاج فكر جديد يخرج من هذه العبثية المرعبة في تضاد الاشباه, على انتاج خيار جديد يأخذ من هذا وذاك متناسيا ولو لحين عداوته حتى الموت مع امريكا او مع الانظمة العربية.... قد نكون في انتظار امر عجائبي!!! فما من طرف في هذه المنطقة يفضل ظهور مثل هذا التيار. وان ظهر فاما ان تسجنه الايدي الطليقة وتمحي اثره, او ان تقتله الفوضى البناءة زاعمة ان على جسده سيبنى برج بابل من جديد.