أنــــور بيجــــو

اُسميت خطيئة التمديد ، واعتُبرت أنها الخطيئة الأكبر ، وأنها حجر الزاوية في كل عمارة التداعيات التي نشأت وعلت ووصلت أن صارت اليوم ناطحة سحاب .

وهناك من قال : ( بعد كل هذه السنين للوجود السوري في لبنان ، ألم تجد دمشق شخصاً آخر غير الرئيس لحود تضعه في سدة الرئاسة ، وتنجو من القرار 1559 ومن كل التداعيات التي أوصلت سوريا إلى ما وصلت إليه ؟؟؟ ) .

ما سبق ، يحتاج إلى تدقيق شديد . فلو فرضنا أنه لم يُمدّد للرئيس لحود ، واختارت سوريا رئيساً آخر ، فهل يتغير الموضوع ؟؟ هل الموضوع هو شخص الرئيس لحود ؟؟ أم أن المسألة هو التدخل السوري في الشأن اللبناني ؟؟ وما الفرق إذا كان الرئيس الذي ينفذ سياسة متوافقة مع الرؤية السورية للمنطقة ، ما الفرق إذا كان اسمه ( إيميل لحود ) أو مثلاً ( ميخائيل الضاهر ) أو ( بطرس حرب ) أو .....

هل هناك شيء خاص يتعلق بـ ( إيميل لحود ) أم أن الموضوع يتعلق بسياسة الرئاسة ؟؟ وإذا كان الأمر كذلك ألا يعني أن قرار منع سوريا من التدخل في الشأن اللبناني ، قد اتخذ حقيقة قبل التمديد ، وأنه ليس المهم ماذا يكون اسم الرئيس ، بل المهم ما هي السياسة التي سينفذها هذا الرئيس ؟؟ وبمعنى أدقّ ، إن المطلوب والمقرر هو فصل المسار اللبناني عن المسار السوري ، إن المطلوب ، ليس تصويب الأخطاء في العلاقة السورية اللبنانية ، بل تغيير المسار اللبناني ، ولو كان ما نقوله غير صحيح ، لما خرج الجيش السوري بالطريقة التي خرج بها ، ولا وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه ، لو كان هناك حرص على هذه العلاقة ، كما ادعى بعضهم في بداية الأحداث ، لما انقلبوا بالطريقة وبالمنهج الذي انقلبوا به ، لو كان ، على الأقل ، بعض ما تم ادعاؤه صحيحاً ، لما رُفعت وبأي حال من الأحوال ، صيحات من مثل ( يابيروت بدنا التار من لحود ومن بشار ) ، ثمّ لا يكفّ نفس الصوت عن المطالبة بأن تساعد سوريا في أن تثبت ( هي ) لبنانية مزارع شبعا !!!!

بل إن الوقائع التي تحصل اليوم ، من الاستعداد لإعلان أن مزارع شبعا غير لبنانية ، إلى تناول موضوع الأسرى بالطريقة المهينة التي تم بها تناوله ، تثبّت بما لا يقبل الجدل ، أن الموضوع ليس اسم الرئيس ، وليس شرعية ودستورية التمديد ، بل المسار الذي يمثله الرئيس ، والرؤية العامة للشأن الإقليمي ، وإذا قيل أن الرئيس هو وديعة سورية في بعبدا ، فماذا تعني هذه الوديعة ؟؟ أي ماذا تريد اليوم سوريا من وديعتها ؟؟ هل تريد العودة إلى ما كان قائماً من تدخل في الشؤون اللبنانية وفي أدقّ التفاصيل ، أم تريد التوافق على رؤيا استراتيجية بين دولتين جارتين ، بما يحفظ أمن كل منهما ؟؟ .

نعتقد بقوة ، أن آخر الوقائع بكل آلامها ، والتي جرت في ما أسمي مؤتمر الحوار الوطني ، من حيث استبعاد الأحزاب العلمانية ، بل التعامل معها على أنها كائن ملحق ومنبوذ ، نعتقد أن ما جرى يجعل سوريا تدرك مدى الأخطاء التي ارتكبت ، والتي جعلت من هذه الكائنات كائنات طفيلية ، بدل من تصبح قائدة للمسار العام ، وتخرج بالمجتمع اللبناني ، من الحياة الطائفية المذهبية المغلقة ، إلى حياة المواطنة التي لا منقذ للبنان بدونها ، والتي لن تأمل سوريا بعلاقة مع لبنان مستقرة وفاعلة بدون حياة المواطنة ، كل هذا يؤكد أن سوريا لن تعود إلى التجربة السابقة ، بل تريد في لبنان حليفاً ، لا مجموعة حلفاء .

بيت القصيد ، أنه كلما ما مرت مناسبة تجعلني أتذكر ما أصابني سابقاً من غدر ، وكلما مرّت مناسبة تصيبني بها بعض سهام الغدر المتوفرة بكثرة في ما يدعى ظلماً وكذباً بـ ( العمل العام ) ، كلما مرّت مناسبة ، فإنها تجعلني أفكّر بالرئيس لحود ، تجعلني أحاول تصور هذه الشخصية العجيبة بقوتها وصلابتها ، تجعلني أفهم لماذا أصرّت سوريا على التمديد له ، ولم تختر اسماً آخر ولو كان من مناصريها . فما أصاب هذا الرئيس وما يصيبه كل لحظة وحتى هذه اللحظة ، يفوق التصور والقدرة على الاحتمال ، ولا أعتقد أن هناك شخصية أخرى ، كان سيقدّر لها وهي في هذا الموقع ، القدرة على الاحتمال ومهما كانت مؤمنة بالخط الذي تنفذه وبالعمل الذي تقوم به .

ماذا لو تصورنا ، أنه في لحظة سابقة أو حتى هذه اللحظة ، فقد الرئيس لحود تحت ضربات سهام الغدر ، وتحت كل ما جرى من محاولات إهانة لموقعه وشخصه وبأبشع الألفاظ الوسائل ، وتحت التخلي غير المبرر لمن دافع عنهم عن اتخاذ الإجراءات ولو الشكلية في الوقوف بجانبه ، ماذا لو فقد الرئيس لحود تحت كل هذه الظروف قدرته على الاحتمال ، فقدم استقالته وذهب إلى بيته ؟؟؟

ليس التركيز على الرئاسة أمراً سخيفاً ، بل إن الذين تجاوزوا كل حدود الأدب والذوق ، وحتى القانون ، وحتى الخيانة الوطنية ، كانوا يدركون أي هزيمة ساحقة ستصيب سورية وحلفائها ، وأي انتصار يهودي ستناله ( إسرائيل ) وحلفائها . لو قدم الرئيس لحود استقالته ، ونعم برفقة أحفاده ، كما أراد له صهره ، لشهدنا أعظم مشهد لسقوط كل ما قدّم من تضحيات ومن دماء شهداء في صراع طويل ، ولم يكن سيقدّر لحزب الله وحركة أمل وكل حلفاء سوريا ، أن يصمدوا أمام غالبية برلمانية وغالبية حكومية وهجمة أمريكية فرنسية ومجلس أمن ولجان تحقيق ولجان متابعة وشارع مشحون ، وفي الخاتمة رئاسة مهزومة .

لولا وجود الرئيس لحود ، كل قوة حزب الله لن تفيده ، لأنه هو من قال أن قوته موجهة ضد اليهود في فلسطين ، وليس إلى الداخل اللبناني ، هذا الموقع الشرعي للرئيس لحود ، هو ما يتيح اليوم لقوة تحالف التيار الوطني الحر وحزب الله أن تكون قوة فاعلة ، ولو قدم الرئيس لحود استقالته ، ماذا سيفعل العماد عون في البرلمان لينتخبوه رئيساً ؟؟ وأي صراع سيخوضه وهو الذي اعتمد الصدق في التعاطي مذهباً ، أي صراع سيخوضه مع قوى تستبيح كل المحرمات ؟؟

ودون إطالة ، يجب أن تبادر القوى التي تخوض اليوم صراع الحفاظ على مسار لبنان ، يجب أن تبادر إلى إجراءات تحفظ كرامة الرئيس والرئاسة ريثما يقرر ما يقرر .

أما التاريخ ، فيجب أن يحفظ لهذا الرجل ، هذه الصلابة والبطولة النادرة .