انتهت الجولة الأولى من المفاوضات الدائرة على <<طاولة الحوار>> بعد اثنتي عشرة جلسة باتفاق صيغت نقاطه ب<<كلام على الحرف والفاصلة وبمنتهى الدقة أما بقية الأمور فلا يزال الحوار قائما حولها>>، حسبما أوضح رئيس المجلس نبيه بري خلال اعلان الاتفاق.

من السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، الى موضوع العلاقات اللبنانية السورية الى مزارع شبعا يبدو واضحا ان ما تم التوصل اليه خضع جزء منه ل<<ميزان الجوهرجي>>، ما دفع رئيس <<اللقاء الديموقراطي>> وليد جنبلاط الى التعليق بسخريته المعهودة قائلا: <<اللغة العربية غنية جدا من الترسيم الى التحديد... والله يوفق السنيورة في الشام>>. وهي جملة تختصر ربما جزءا كبيرا من عملية شد الحبال واللغط الذي دار حول لبنانية المزارع والسيادة عليها التي دارت على الطاولة ومن حولها، أي التوفيق بين مطالبة جنبلاط ب<<ترسيم>> حدود المزارع وتوثيق لبنانيتها من قبل سوريا واعتبار الأخيرة، على لسان رئيسها بشار الأسد، ان ذلك <<مطلب اسرائيلي>>. ويبقى على رئيس الحكومة فؤاد السنيورة ان يتمكن خلال زيارته المرتقبة الى دمشق من <<وضع أسود على أبيض>>. فهل سينجح السنيورة في ذلك أم ان هذه المسألة مرتبطة بموضوع رئاسة الجمهورية، الذي تم تأجيله الى الاسبوع المقبل، والذي يشكل بإجماع المتحاورين <<أزمة حكم تحتاج الى معالجة؟>>.

كيف يرى أطراف <<الطاولة>> صورة اليوم التالي؟ يلتقي الجميع على اعتبار ان ما تم انجازه من تفاهمات في البنود الثلاثة (العلاقات اللبنانية السورية والسلاح الفلسطيني ولبنانية المزارع) يشكل خطوة متقدمة على طريق استعادة سيادة الدولة على كافة أراضيها واعادة بناء توافق داخلي على أسس واضحة ومتينة، ما يسهل اعادة بناء علاقات بالمعنى السليم والصحي للكلمة مع سوريا لم تكن يوما كذلك منذ عقود. فالاجماع الذي حصل من قبل الفريقين في مقاربة موضوع السلاح الفلسطيني، عبر انهاء انتشاره خارج المخيمات، والوجود الفلسطيني بشكل عام يقطع الطريق على محاولات توظيفه في اتجاه أو آخر، من قبل هذا الفريق أو ذاك، خصوصا وان البلد مقبل على تطورات اقليمية غير مضمونة بدءا من الانتخابات الاسرائيلية المقبلة التي شهدنا <<نموذجا>> استباقيا لها في عملية القرصنة على مقاطعة اريحا واعتقال أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أحمد السعدات ورفاقه، مرورا بوضع العراق وانتهاء ب<<الكباش>> الحاصل بين ايران والغرب حول الملف النووي.

وتؤكد مصادر حكومية ان الاتفاق الاجماع الذي حصل حول تثبيت لبنانية مزارع شبعا من جهة و<<تحديد>> حدودها من جهة ثانية من شأنه ان يضع حدا للجدال القائم حول الموضوع ويحصن موقف الدولة ويعزز دور المقاومة اذا ما تجاوبت سوريا مع ضرورة تقديمها وثائق مكتوبة تؤكد ملكية وسيادة لبنان على المزارع. ويفترض في هذا السياق، بحسب المصادر نفسها، ان تسهل زيارة وزير الخارجية السوري وليد المعلم الى موسكو المهمة التي يستعد لها السنيورة عند توجهه الى العاصمة السورية والتي لم يتحدد موعدها رسميا بعد، اضافة الى الجهود العربية (السعودية والمصرية) التي رافقت أعمال طاولة الحوار والتي تعمل على خط الوساطة بين البلدين. والا يبقى هذا البند وربما الاتفاق بأكمله في مهب الريح، من دون استبعاد احتمال مشاورات مصرية وسعودية وسورية تسبق زيارة رئيس الحكومة الى دمشق التي لم يتقرر موعدها حتى الآن.

أما ملف العلاقات اللبنانية السورية فقد جاءت صياغته شاملة ودقيقة ومفصلة، فمن تثبيت مقولة <<عدم جعل سوريا مصدر تهديد لأمن لبنان أو جعل لبنان مصدر تهديد لأمن سوريا...>>، ينطلق البند من قاعدة <<عدم تدخل أي من الدولتين في شؤون الدولة الأخرى الداخلية>> الى التأكيد على <<اقامة علاقات ندية بين الدولتين... تتجسد بإنشاء علاقات دبلوماسية بين سوريا ولبنان على مستوى السفارات>>. وهو بدون شك البند الأصعب والأعقد وربما الأعصى على التطبيق لتداخله في السياسة والمصالح والتاريخ والجغرافيا.

وواضح ان هذا البند هو البند الأساس و<<البند الأم>> لكل البنود والتفاهمات، والعمل على تطبيقه ليس في متناول البلدين بمفردهما بل مرتبط بمجموعة عوامل وإرادات عربية واقليمية، وبحسابات وسعي سوري لكسب مزيد من الوقت لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب على خلفية المأزق الذي تواجهه الولايات المتحدة في العراق والهامش الذي يتيحه >>الكباش>> الايراني الغربي. من هذا المنطلق ترجح أوساط دبلوماسية ان جولة حوار الأسبوع المقبل التي يجب ان تناقش موضوع رئاسة الجمهورية وسلاح المقاومة لن تذهب بعيدا في هذين الملفين، وتوحي انه من الصعب ان يتبلور شيء ما، في موضوع الرئاسة تحديدا، قبل ان <<يستكشف>> الأسد منحى التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري بعد لقائه رئيس لجنة التحقيق سيرج برامرتز المتوقع في منتصف نيسان المقبل.

ورغم ان الاتفاق يؤكد ان المتحاورين، وتحديدا <<حزب الله>> وحركة <<أمل>> و<<التيار الوطني الحر>>، قد أجمعوا على وجود أزمة حكم يجب معالجتها، فإن أوساط رئيس المجلس ترى أولا ان لا ربط بين الموضوع الرئاسي وسلاح المقاومة، وثانيا ان مسألة الرئاسة لن تناقش على طاولة الحوار، ولا حتى الآلية التي ستعتمد في ذلك. وتؤكد ان هناك شبه توافق على مقاربة الأمر في مشاورات جانبية ووراء <<الكواليس>> خلال هذا الاسبوع تحضيرا للعودة الى الطاولة. كما تلفت الى ان المشاورات يجب ان تتوسع لتشمل بطبيعة الحال البطريرك الماروني نصرالله صفير وأطرافا أخرى. واعتبرت ان اي بحث او تداول في الأسماء يجب ان يسبقه توافق على الصيغة أو القواعد التي يجب اعتمادها قبل الولوج في المواصفات والأشخاص.

في المقابل، تبدي مصادر في <<قوى 14 آذار>> تفاؤلها بما تم انجازه في المرحلة الأولى في جميع البنود، من وضع مهلة زمنية لانهاء السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، وفي <<تحديد>> حدود مزارع شبعا واخضاع تثبيت لبنانيتها ل<<الاجراءات والأصول المعتمدة من قبل الأمم المتحدة>>، ناهيك عن وضع العلاقات اللبنانية السورية في اطار <<الندية>> والمطالبة بعلاقات دبلوماسية وتبادل السفراء.

وتلتقي مصادر قوى الرابع عشر من آذار مع وجهة نظر الطرف الآخر من ان موضوع الرئاسة اصبح عمليا خارج الطاولة. وفي حين ترك أمر المزارع في عهدة رئيس الحكومة، ترى ان حل <<أزمة الحكم>> باتت في عهدة السعودية ومصر اللتين ستسعيان الى اقناع دمشق بالتخلي عن اميل لحود بعد ان تم التوافق على أسس وقواعد للعلاقات بين البلدين. وتكشف ان لكل من <<المعسكرين>> مرشحيه، ولكنها غير متفائلة بأن يتحقق تقدم في هذا المجال قبل ان <<تتضح>> صورة لقاءات برامرتز في دمشق الشهر المقبل.