بُعيد انعقاد الجلسة الاخيرة من مؤتمر الحوار الوطني في مجلس النواب (الثلثاء 14 آذار)، ابرز ديبلوماسي عربي في العاصمة المصرية أهمية توصّل الأفرقاء اللبنانيين الى نتائج جدية تأمل في حصولها القاهرة والرياض على السواء. وهو لاحظ أن اهتمام هاتين العاصمتين بمسار الحوار اكتفى بدوري سفيريهما في بيروت، المصري حسين ضرار والسعودي عبد العزيز خوجه.

ويرى هذا الديبلوماسي ان موقف الديبلوماسية المصرية من الوضع في لبنان يقوم على قاعدتين:

- الحرص على الاستقرار في لبنان واعتباره جزءاً من استقرار المنطقة.

- نجاح الحوار اللبناني واستكمال بنوده كلها والحؤول دون "انزلاق أي فريق والتسبب بخلافات وتوترات داخلية قد تقود الى ما لا يمكن السيطرة عليه".

وهو يعتقد في ضوء ذلك أن لا حل للمشكلات اللبنانية إلا بتفاهم الزعماء المعنيين. وهذا ما حمله على تأكيد:

- أن لا أفكار ولا مبادرة عربية في الوقت الحاضر في انتظار ما سيتوصّل اليه الأفرقاء اللبنانيون.

- أن القاهرة تحرص على ألا تتدخّل في الشق الداخلي اللبناني من الحوار، ولا موقف لها من أي من بنوده ما خلا الحضّ على الاستقرار الداخلي، وأن تحرّك السفير في بيروت مع أفرقاء الحوار جميعاً يتركز باستمرار على تعزيز جهود التفاهم دونما الخوض في جدول أعمال هذا الحوار.

لكن ذلك لا يحجب بالنسبة اليه حقيقة قد تثير حفيظة قوى 14 آذار، وهي أن مصر، شأن سائر الدول العربية وخلافاً للموقفين الأميركي والفرنسي خصوصاً، لا تزال تعترف بشرعية رئيس الجمهورية إميل لحود الذي تسلّم دعوة رسمية الى المشاركة في القمة العربية المقبلة في الخرطوم في 28 آذار الجاري. في المقابل، فإن المسؤولين المصريين على اتصال دائم برئيس الوزراء فؤاد السنيورة في إطار المساعي نفسها.

ـ ليس ثمة ما يستبعد تحرّكاً عربياً نحو حوار لبناني – سوري من خلال قمة الخرطوم في ضوء ما بلغ الى الديبلوماسي العربي من أن دمشق تعتزم إثارة الخلاف السوري – اللبناني من ضمن ملف الخلافات العربية. الأمر الذي سيفتح باب تشاور على هامش أعمال القمة. الا أن الأمر يرتبط أيضاً في رأي الديبلوماسي العربي بمستوى المشاركة اللبنانية في القمة. ويحدوه ذلك على القول إن مشاركة السنيورة في الوفد ستتيح فرصة إجراء حوار جدّي بين مسؤولي البلدين مباشرة أو بالواسطة، في تلميح ضمني الى الحاجة الى وجود الطرف "الخصم" مع دمشق نظراً إلى الموقع الذي يمثله السنيورة في الغالبية الحاكمة.

ومع معرفته بمغزى ترؤس رئيس الجمهورية الوفد اللبناني، فإن الديبلوماسي العربي لا يرى في وجود لحود دافعاً كافياً لنجاح مساع كهذه.

- يحظى اهتمام القاهرة بالاستقرار في سوريا بمثل ما يحظى به اهتمامها بالإستقرار في لبنان، وترى ان استقرار البلدين ملازم لاستقرار المنطقة. على أن ذلك ينبغي ألا يقود الى ترابط بينهما. بل يذهب الديبلوماسي العربي الى تمييز موقف القاهرة عن موقف دمشق حيال هذه المسألة، ولا يوافق على ما يعتبره "مناورة شامية تقليدية" هي فكرة "التآمر" اللبناني على سوريا واستقرارها والتي تشيعها دمشق، ويشدد كذلك على رفض العاصمة المصرية أي تطمينات من شأنها النيل من سيادة لبنان واستقلاله، مستبعدا في الوقت نفسه أي محاولة لعقد "صفقة" من هذا النوع غالباً ما أقلقت اللبنانيين على مصيرهم ومستقبل بلدهم.

يدفعه ذلك الى التوقف عند ملاحظة تاريخية هي أن "عين سوريا على لبنان" تكاد تكون ملازمة لكل عقول العهود التي حكمت سوريا منذ الإنقلاب العسكري الأول بقيادة حسني الزعيم عام 1949، ولم يقتصر الأمر على الرئيس بشار الأسد ولا من قبله على والده الرئيس الراحل حافظ الأسد.

-ـ بسبب ذلك ترفض مصر - يقول الديبلوماسي العربي - أي محاولة لزعزعة الاستقرار في سوريا على نحو ما لمسته الديبلوماسية المصرية في الأشهر الأخيرة من محاولة تكرار التجربة الأميركية في العراق.

فحتى الشهرين الأخيرين من السنة المنصرمة لاحظ أن واشنطن عملت على جعل التحقيق الدولي في اغتيال الرئيس رفيق الحريري ذريعة مشابهة لاتهام العراق بحيازة أسلحة دمار شامل من أجل بث الفوضى في هذا البلد، وفي أبسط الأحوال إرغام دمشق على تغيير شامل في سلوكها السياسي. وهي مبررات حملتها ولا تزال على تعزيز ضغوطها على دمشق، وتقع في النطاق نفسه الضغوط الأميركية الحالية على إيران استكمالاً لتشديد الخناق على هذا المحور.

فأي منحى يمكن أن يسلكه تحرّك عربي مرتقب في ضوء تقدّم الحوار اللبناني، ولكن من غير أن يلامس ما يعتبره الديبلوماسي العربي شأناً لبنانياً داخلياً، وهو مصير الرئيس اللبناني، وما دامت القاهرة تريد أن تقصر هذا التحرّك على تطبيع العلاقات اللبنانية – السورية؟