نصر شمالي

بلغ العالم في هذه الحقبة التاريخية حداً يستحيل معه الاستمرار في العلاقات الدولية السائدة، فقد تبدّلت البنى المادية التحتية لهذا العالم، وبلغ عدد سكانه أضعاف ما كان عليه قبل نصف قرن فقط، وصار التبدّل في البنى الفوقية العالمية، أي في المفاهيم والعلاقات الأممية بمختلف أنواعها، أمراً لا مفرّ منه، ومرهون بالوقت لا أكثر ولا أقل، غير أن الإدارة الأميركية ومثيلاتها تصرّ على الحيلولة دون حدوث هذا التبدّل الحتمي، الذي لا يعني عدم حدوثه سوى دمار العالم، فهي تتعامل مع أوضاع كونية مادية وبشرية جديدة كل الجدّة بأساليب ووسائل بالية وقديمة كل القدم، تعود إلى حقبة ما قبل تبدّل البنية التحتية العالمية، حين كانت مثل هذه الوسائل والأساليب فعالة ومجدية وإن كانت غير منطقية وظالمة، فنسمع رئيس مكتب الأمن القومي الأميركي نيغروبونتي (في 1آذار/ مارس 2006) يتحدث عن نموّ الصين الاقتصادي والتجاري الداخلي السلمي، وعن علاقاتها الطيبة المتطورة بدول العالم، كأنما هي بذلك ترتكب جرائم تستحق عليها العقاب، فالصين يجب أن يحال بينها وبين أن تصبح الدولة المصدّرة الأولى عام 2010 والدولة الاقتصادية الأولى عام 2020 حسب تقديرات مراكز الأبحاث الأميركية! وبالفعل هانحن نتابع الأخبار التي تتحدث عن جولات الرئيس بوش الساعية إلى محاولة إقامة تحالفات جديدة (مع الهند مثلاً!) من أجل قطع الطريق على الصين، ومحاصرتها، ودحرها عن طريق افتعال حرب معها، أو بينها وبين جيرانها إذا اقتضى الأمر ذلك!

الحلال والحرام أميركياً إن تصريحات الأميركيين وتحركاتهم، بصدد الصين وغيرها، تذكرنا بتصريح الرئيس الأميركي جون كوينسي آدامز عام 1842، أي في منتصف القرن التاسع عشر، حيث قال: إن الالتزام الأدبي بإجراء مبادلات تجارية بين الأمم يرتكز كلياً، وبصورة حصرية، على التعاليم المسيحية التي تطلب منا أن نحب قريبنا كما نحب أنفسنا، لكن الصين، وهي أمة ليست مسيحية، لا تستشعر الارتباط بالتعاليم المسيحية، فنظامها شرس وعدو للمجتمع، والمبدأ الأساسي للإمبراطورية الصينية مبدأ معاد للتجارة، فهو لا يعترف بوجوب إجراء مبادلات تجارية مع بلدان أخرى، وقد حان الوقت لوضع حدّ لهذا التعدّي (الصيني) الفظيع على حقوق الطبيعة البشرية، وعلى المبدأ الأساسي لحق الأمم! (انتهى التصريح العجيب للرئيس الأميركي). وجدير بالذكر أن التجارة الرئيسية التي كان الأميركيون والبريطانيون يرغمون الصين على قبولها حينئذ هي استهلاك الأفيون الذي تحمله إليها سفنهم، وبالفعل شنوا الحرب ضدّ الصين (تسمى حرب الأفيون) لأنها مانعت، ونجحوا في إرغامها حينئذ على الخضوع! لكن الصين تجري معهم اليوم أوسع وأهم المبادلات التجارية، التي هي عندهم كما يقولون في مستوى الإيمان الديني، فهي تمتلك من سندات الخزينة الأميركية ما قيمته 252 مليار دولار، وتمتلك أكبر ثاني احتياطي من الدولار وهو حوالي 819 مليار دولار، إضافة إلى اتجاه ثلث الصادرات الصينية نحو أسواق الولايات المتحدة، فأي تبادل أراده الرئيس آدامز في القرن التاسع عشر، ويريده الرئيس بوش اليوم، أعظم من هذا التبادل؟

نهرو وحقيقة الأميركيين قبل حوالي نصف قرن، شرح الرئيس الهندي جواهر لال نهرو في كتابه (لمحات من تاريخ العالم) طبيعة الإمبراطورية الأميركية، فوصف الأميركيين قائلاً: إنهم لا يتجشمون عناء ضم إحدى البلدان كما فعلت بريطانيا بضم الهند، فكل ما يعنيهم هو الربح، وعلى هذا الأساس يتخذون الخطوات التي تمكنهم من السيطرة على ثروات بلد ما، ومن خلال السيطرة على الثروات يصبح من السهل جداً عليهم السيطرة على شعب البلد، وعلى أرضه في الحقيقة. إنهم يسيطرون دون أن يتكبدّوا متاعب كثيرة، ودون أن يصطدموا بقومية البلد المتحفزة، وبالتالي يتقاسمون ثروتها، وهذه الوسيلة تسمى الاستعمار الاقتصادي، وهي لا تظهر على الخريطة، فقد تبدو إحدى البلدان، إذا ما استرشدنا بعلم الجغرافيا، حرة مستقلة، ولكن إذا نظرنا خلف الستار فسنجد أنها في قبضة بلد أخرى (هي الولايات المتحدة) أو الأصح في قبضة أصحاب المصارف ورجال الأعمال الكبار، وهذه الإمبراطورية الخفية هي التي تمتلكها الولايات المتحدة الأميركية.. الخ!

الهند عصية على الخداع! غير أن الرئيس جورج بوش، كما تقول مصادر الأخبار الأميركية، وكما يتوهم بعض السذج السخفاء من المحللين السياسيين عندنا، يتطلع إلى تحالف ممكن ناجح مع الهند ضدّ الصين، لإشعال فتيل الحرب بينهما، أو لمساعدته في الحرب ضدّ الصين، وأن زيارته الأخيرة للهند حققت نجاحاً في هذا الاتجاه، بدليل الاتفاق على تزويد الهند بأسلحة وخبرات نووية أميركية جديدة! والحال أن مثل هذه التصورات لا تعدو الهلوسات، فالهند ترى العالم كما رآه نهرو، وهي لن تكون حليفاً استراتيجياً لواشنطن ضدّ الصين أو ضدّ غيرها، لأن الهنود يدركون أن هذه الأساليب والوسائل أصبحت من الماضي، ولا تصلح للحاضر بأي حال من الأحوال، حيث تبدّلت البنى التحتية العالمية وسوف تتبعها البنى الفوقية لا محالة، وعموم الآسيويين والأفريقيين والأميركيين الجنوبيين، يتطلعون إلى هذا التغيير التاريخي، الفاصل والحاسم، بفارغ صبر، ويرصدون قواهم لصالحه!

لحمة وسدى المستقبل إن سياسات الولايات المتحدة ومثيلاتها هي الماضي حقاً وفعلاً، وإن الصين والهند وروسيا، والعرب والإيرانيين والأتراك، والأندونيسيين والماليزيين والكوريين، وأمثالهم في أفريقيا وأميركا الجنوبية، هم رصيد المستقبل حقاً وفعلاً، وهم لحمة وسدى النظام العالمي القادم لا محالة، والذي ستحكمه بنى فوقية جديدة، بعلاقات دولية جديدة ينتفي فيها الاحتكار والتمييز، والظلم والعدوان، ومثل هذا التطور المنتظر يمكن أن يكون مجرّد وهم، أو حلم، في حالة واحدة هي هلاك العالم وزواله على أيدي الأميركيين وأتباعهم! غير أن مثل هذا الاحتمال الذي يجعل البعض ينصاع لإرادة قوى الماضي الباغية، ويخذل قوى التطور والتقدم، هو مستبعد جداً حقاً.