15 (آذار) مارس 2006 في الأسابيع القليلة الماضية تسنى لي قراءة كتاب "الفقد" للسجين، ولن أقول السابق، "لؤي حسين" الذي قبع في أحد سجون سورية لمدة سنوات، كما قرأت عن قيام من يسمون بالشباب "بتأديب" بعض المثقفين الذين اعتصموا في شوارع دمشق احتجاجًا على قانون الطوارئ. هاتان الحادثتان أعادتا إلى الذهن سؤالاً يستحوذ على تفكيري منذ أن صغته وعالجته في مقالين في شهر أيار (مايو) 2003. السؤال هو: "كيف استقلينا دولاً عربية ولم نتحرر شعوبًا عربية." هذا ما كتبت آنذاك أهديه اليوم إلى صاحب "الفقد" وإلى كل من يتعرض لهراوات الجهل باسم الوطنية. المقالان منشوران في كتابي الجديد "منحاز بلا حدود."

الاستقلال والحرَّية ‏ 5 ‏أيار‏،‏‏ ‏(مايو) 2003 الاستقلال للدول أمَّا الحريَّة فللشعوب. نمهِّد بهذا القول لنسأل سؤالاً لا غنًى عن مواجهته: كيف استقلينا دولاً عربيَّة ولم نتحرَّر شعوبًا عربية؟ ولكي لا يكون كلامنا إطلاقًا، نعرّف الحريَّة بأنَّها حريَّة الفكر والقول والمعتقد والتنقُّل والإنتاج والتمتُّع بجنى الإنتاج وحريَّة المشاركة السياسيَّة وصولاً إلى سدّة الحكم، في مجتمع تضبط شؤونه قوانين عادلة يتساوى أمامها جميع المواطنين بدون أيِّ تمييز قائم على الدين أو العنصر أو الطائفة أو سواها من ذرائع التمييز. إنَّ الدول العربيَّة كلَّها، باستثناء العراق اليوم وفلسطين طبعًا، هي دول استقلَّت عن محتلٍّ أو مستعمر أو منتدب أو "حام". بعضها استقلَّ بعد ثورات ومعارك امتدَّت عقودًا دفع الشعب خلالها من دماء خيرة أبنائه وبناته، وبعضها نتيجة معاهدات أخرجت الأجنبي ومهَّدت الطريق للاستقلال. غير أنَّنا إذا نظرنا إلى هذا العالم العربي الكبير نظرة مدقِّق وجدنا أنَّ الشعوب العربيَّة بمجملها لا تعيش حالة حريَّة استنادًا إلى تعريفنا أعلاه لا سيَّما إذا قبلنا مبدأ أنَّ الحريَّة لا تتجزَّأ، وأنَّ أيَّ اعتداء على "حريَّة" ما لمواطن ما هو اعتداء على الحريَّة كلِّها، وعلى حريَّة الشعب كلِّه. للسؤال أهميَّة لأنَّ معظم ثورات العالم العربي من الجزائر إلى تونس وليبيا ومصر وسورية الطبيعيَّة بشامها وعراقها قامت على شعارات أساسيَّة أهمُّها الاستقلال والحريَّة والعدالة والمساواة. ولكن خطر السؤال يكمن في تذرِع الولايات المتَّحدة الأميركيَّة بـ "تحرير" شعب العراق من طغيان دولته المستقلَّة. إنها تَعِدُ الشعب بـ "حريِّة تحت الاحتلال" تعويضًا له عن "عبوديَّة تحت الاستقلال" وهذه هي المفارقة – التحدِّي التي علينا مواجهتها حكامًا وشعوبًا، لاسيَّما وأنَّ الولايات المتَّحدة على استعداد لاستعمال هذه المعادلة عينها في أيِّ بلد عربي، وربَّما غير عربي لا ترضى عن نظامه. لا شكَّ عندنا في أنَّ الولايات المتَّحدة ما كانت عاجزة عن إيجاد ذريعة أخرى لاحتلال العراق لو أنَّ الشعب العراقي كان ينعم بحريَّة حقيقيَّة. ولكن ممَّا لا شكَّ فيه عندنا أيضًا أنَّ مسار الحرب وربَّما نتيجتها كانت غير ما هي لو أنَّ الشعب العراقي ينعم فعلاً بهذه الحريَّة فيدافع عنها دفاع المستميت، لا يرهبه عدوٌّ ولا يغريه مال.

غير أنَّ الحريَّة أو طلب الحريَّة لا يكفي. فالأكراد في العراق يطلبون الحريَّة وكذلك التركمان، ولكنَّهم يطلبونها من العرب. والآثوريون يطلبون الحريَّة ولكن من الأكراد، والشيعة يطلبون الحريَّة ولكن من السنَّة وهلمّ جرًا، وفي هذا الخضم من "الحريَّات" المتنازعة تضيع الحريَّة الحقيقيَّة: حريَّة أن يحيا الإنسان في مجتمع عادل يقوم على المحبَّة لا الخوف.

نقول المحبَّة لا الخوف لأنَّ الإنسان العربي إجمالاً هو إنسان خائف. خائف في طفولته من البعبع والكلب والبوليس، وفي فتوَّته من أبيه ومعلِّمه والبوليس، وفي عمله من مديره وزميله والبوليس، وفي إيمانه من ربّه ورجل دينه والبوليس، وفي جميع شؤون حياته من البوليس والبوليس والبوليس. الخائف لا يعرف أن يحبَّ ولا أن يبدع فهو أبدًا حذرٌ مستنفَذُ الطاقات في هواجسه وشكوكه لا يحسب حسابًا لما هو أكثر من دفع الأذى عنه، فكيف له أن يحبَّ؟ كيف له أن يبدع؟

لا حريَّة بدون استقلال. والمحتلُّ الأميركي كاذب في ادِّعائه تحرير العراق كذبه في ادِّعائه طلب دولة مستقلَّة لفلسطين. ولكن إذا كان الاستقلال شرطًا ضروريًّا للحريَّة فإنَّه ليس بشرط كاف. بل نحن نقول إنَّه لا يوجد البتَّة شرط كافٍ للحريَّة. فالحريَّة عمليَّة صراع مستمر، واللحظة التي يعتقد المرء فيها أنَّ شروط الحريَّة قد استتبَّت هي لحظة بدء فقدانها.

كيف استقلَّينا دولاً ولم نتحرَّر شعوبًا؟ هل استقلَّينا لكي نستبدل مستعبد إفرنجي بآخر عربي؟ بل كيف تحوَّلت الثورة في سبيل الحريَّة إلى كابوس من عبوديَّة؟ وما هي لحظة التحوُّل تلك؟ أسئلة لا غنًى عن الإجابة عنها إذا شئنا لأنفسنا مستقبلاً أفضل. ولعلَّ بدء الجواب كلمة من الشاعر الراحل خليل حاوي: "المناضل حين يموت فيه النضال يتحوَّل تنِّينًا أو حوتًا".

ماذا لو؟ ‏16 ‏أيَّار‏،‏‏ ‏(مايو) 2003 قالت صديقتي تعليقًا على مقالتي "نتيجة الجهل": "إذا كان تعميم الرأي الفاسد للخصم هو أفعل الوسائل لكشفه وخذلانه، فماذا تفعل لو كان خصمك على حقٍّ؟ هل تعمل العكس فتمنع رأيه؟ هل تعمِّم الخطأ وتحجب الصواب؟ وَرَدَ السؤال فيما الجرَّافات تنبش بقايا آلاف من ضحايا نظام صدَّام حسين في العراق، وفيما تتردَّد أخبار عن اختلاس ابنه قصَّي مليار دولار من خزينة العراق، متزامنة مع انتشال رجال الإنقاذ جثث ضحايا التفجيرات والجرحى في المملكة العربيَّة السعوديَّة.

ثمَّة رابطٌ يربط السؤال بهذه الأحداث كلَّها، وبسؤال سابق هو: "كيف استقلينا دولاً عربية ولم نتحرر شعوبًا عربية"؟ رابطٌ استحضرته كلمات الكاتبة الروائيَّة أحلام مستغانمي في كتابها "عابر سرير" معلّقة على قتل المثقفين في الجزائر: "كلُّ جاهل يثأر لجهله بقتل مثقَّف بعد المزايدة عليه في الإيمان والتشكيك في ولائه للوطن." وكلماتها على لسان رجل يكلِّم جثَّة صديق له تعفّف عن الاستفادة من ثورة منحها ذراعه: "أن تتفهَّم جشع الديدان البشريّة التي جمعت ثرواتها من موائد تعفُّفِك وترفُّعِك حيًّا عمَّا كان وليمتها… فعمرك المسفوح بين ثورتك وثروتهم، منذور يا صديقي لديدان الوطن."

الثورة والثروة! كلمتان لا تختلفان لفظًا إلا في موقع حرف العلِّة في كلٍّ منهما، ولكنّ العلّة الحقيقيَّة هي في الموقع الأخلاقي للناس من كلًٍّ منهما. في سبيل ماذا تثور، وما هو الرادع الذي يمنعك من الجنوح للطغيان؟ وبأيَّة وسيلة تجمع ثروتك، وما هو الرادع الذي يمنعك من المتاجرة بدماء الثوَّار وأبناء الشهداء؟ واستطرادًا، بل أساسًا، ما هو موقفك من الإنسان الذي هو غرض الأديان والكتب السماويَّة؟ ما هو موقفك من العقل، ميزة الإنسان الذي به عرف الله، وما أمر به وما نهى عنه؟ وما هو موقفك من الوطن، حاضن الإنسان بإيمانه وثقافته؟ باختصار أين هو موقعك من الإنسانيَّة؟

أسئلة غالبًا ما نتجاهلها، أو ننبذها وكأنَّها لا تستحقُّ ثانية واحدة من تفكيرنا. أو كأنَّ مصير بشرٍ سويٍّ، بل وطن بأكمله لا يتوقَّف على إجابة ما عنها.

ماذا لو كان غريمي على حقٍّ! ماذا لو كان أولئك الجزائريُّون الذين فُصلت رؤوسهم عن أجسادهم بفؤوس "المؤمنين" لا يقلّون عن ذابحيهم إيمانًا؟ ماذا لو كان الذين قُتلوا برصاص الجيش لا يقلّون عن قاتليهم وطنيَّة؟ ماذا لو كان آلاف العراقيّيِّن الذين دُفنوا في المقابر الجماعية كدافنيهم يستحقُّون الحياة؟ ماذا لو كانت عقيدتي ترتكز على أسس واهية نخرة أو محشوَّة بأفكار بالية؟ ماذا لو كان مذهبي مبنيًّا على تفسيرات سقيمة لدين عظيم. ماذا لو كنتُ على خطأ؟ ماذا لو كانت الأرض غير مسطَّحة؟

هنا محك الجرأة الأدبيَّة والأخلاق والدين والوطنيَّة. هنا الخطّ الذي يفصل بين المِراء والصدق، بين الشجاعة والجبن، بين الإيمان والزندقة، بين الجهل والثقافة، وبين الوطنيَّة والاتِّجار بها. المحكُّ هو أن نقبل احتمال أن نكون على خطأ، وأن يكون لدينا الاستعداد للاعتراف بخطئنا والتراجع عنه وإصلاح ما ترتَّب عليه. أن يكون لدينا الاستعداد للإقرار بحقِّ سوانا فيما نراه حقًّا لنا: فإنْ حقَّ لنا التفكير حقَّ لهم، وإن حقَّ لنا الاجتهاد، حقَّ لهم، وإن حقَّ لنا التأويل حقَّ لهم، وإن حقَّ لنا الطموح، حقَّ لهم. أمَّا ما لا يحقُّ لنا ولهم فهو إلغاء بعضنا بعضًا بسبب فكر أو تأويل أو اجتهاد أو طموح.

وإن لم نقبل بذلك؟ إن لم نقبل بذلك! فلنبدأ بإعداد المدافن الجماعيَّة الجديدة فيما تُنبش المدافن الجماعيَّة القديمة، ولنبدأ بسنِّ السكاكين التي ستُجزَّ بها أعناق أجيال قادمة. فدوَّامة القتل والحقد لن تنتهي إلا بقبول أحدنا الآخر. ماذا لو كان خصمي على حقٍّ؟ لم يبقَ خصمًا بل يصبح وليًّا حميمًا.