ضيا اسكندر

لم يبقَ على إحالته للمعاش سوى ثلاثة أشهر. خمسة وثلاثون عاماً قضاها في عمله يعمل نجاراً في إحدى شركات القطاع العام. كثيرة هي المرات التي طُلب منه تصنيع أثاث لكبار المسؤولين في محافظته. وكم كان يعتصر قلبه ألماً عندما يكلّف بهذه المهمة, فهو ومن خلال معرفته بشؤون البلد يدرك بأن هؤلاء المسؤولين لن يدفعوا متليكاً واحداً للشركة التي يعمل فيها.

وكثيرة هي المرات التي كان يعبّر فيها عن سخطه واشمئزازه من جرّاء قيامه بعمله ذاك. وسرعان ما تصل مشاعره الغاضبة مكتوبةً بتقارير المخبرين. ولهذا السبب لم يرتقِ بوظيفته رغم مهارته التي يشهد بها جميع رؤسائه. وبقي عاملاً عادياً طوال عمله. حتى أن مساعيه التي بذلها لينال تسمية رئيس ورشة على الأقلّ, لم يفلح بها وباءت جميعها بالفشل!

فكر قائلاً: (إلى متى سأبقى نزيهاً؟ أسابيع قليلة وأكون في بيتي متقاعداً.. ولن أشغل بال أحد بعد ذلك! وهل يعقل أن يمضي هذا العمر ولا أقدّم لبناتي المتزوجات أية هديّة من عملي كذكرى, وأنا الذي أفنى عمره وشبابه في خدمة الشركة وخدمة من تربّع على إدارتها؟

خمسة مدراء تولّوا قيادتها تباعاً... ولم يستحِ أيٌّ منهم من طلب تصنيع ما يحلو له من أرقى الموديلات في عالم الموبيليا.. أكثر من سبعة مدراء إنتاج تناوبوا على إذلالي.. وجميعهم كانوا بمثابة رؤساء عصابات..!

خمسةٌ وثلاثون عاماً لم أُُخرج من مقرّ عملي خشبة واحدة, مسماراً واحداً... لمصلحتي الشخصية! حتى أنه في إحدى المرات رآني زميلي عند بائع لوازم النجارين أشتري علبة غراء لإصلاح الكنبايات في بيتي, فسمعْتُ منه محاضرة محترمة عن غبائي وجحشنتي..! إذ هل يعقل أن أشتري الغراء من السوق وبراميل الغراء تلعب بين يديّ في الشركة؟)

عندما أفضى بهواجسه الجديدة لزوجته وعن نواياه بتقديم هدايا لبناته الثلاث على أن تكون من إنتاجه وعلى نفقة الشركة, وأنه متردد بصددها.. أجابته باستهجان:
-  أخيراً!؟ أبعْدَ كل هذه السنين بدأت تفكر بالعقل والمنطق؟
-  والله يا امرأة! أتمنى أن أختم مسيرتي الوظيفية معززاً مكرّماً.. ولكن كما يقال: (لم يبقَ من العمر أكثر مما مضى) لذلك سأقوم بتقديم هدايا لبناتي الثلاث من إنتاجي ليتذكرنني بها في قابل الأيام بعد وفاتي...
-  وماذا تنوي أن تقدم لهنّ من هدايا كما تدّعي... رغم أنني ما زلت غير مصدقة لما أسمعه منك!
-  (حالماً بسعادة) سأصنع لكلّ منهنّ كرسياً لقاعدة البرّاد وملقط غسيل وكرسي دف للحمّام, وإذا تمكّنت من تصنيع سلّم خشبي لكلّ واحدة منهنّ فلن أقصّر..
-  (وكأنها تلقّت صفعة, فأجابت بسخرية) لا والله كريم هاه..!
-  (بغضب) وهل تريدين مني تقديم غرف نوم لهنّ أم طاولات سفرة أم أطقم كنبايات, أم ماذا..؟

حدّقت إليه بنظراتٍ ملأى بالغيظ والنفور وأرادت تغيير الحديث, فغمغمت متشفيةً تذكّره بفقره وتعتيره:
-  قم واذهبْ إلى بائع الفروج واشترِ لنا نصف كيلو رقبات من أجل طبخة الغد.. أحسن من هذا الكلام الذي لا يجلب إلا الهمّ والغمّ.. (وأردفت محدثة نفسها) يا حسرتي عليك, ستبقى غشيماً ما حييت..

في اليوم التالي وبينما كان في الشركة يقوم بنشر أول قطعة خشب على المكنة, وقد وضع في ذهنه أن الهدية الأولى ستكون من نصيب ابنته الكبرى, بدأ يفكر بفعلته الأثيمة الأولى له في حياته الوظيفية واستغرق في شروده... فجأةً أحسّ بألمٍ مفاجئ في يده, تنبّه محدّقاً! فوجد أصابع يده اليمنى وقد نقص عددها إلى اثنتين! بحركة لا إرادية أنزل القاطع الكهربائي فتوقفت المكنة. تطلّع بشفرة المنشار بذهول وهلع, وجدها وقد اصطبغت باللون الأحمر القاني! صرخ مذعوراً متوجعاً! تسارعت نبضات قلبه, ارتعشت ساقاه, تلاشت قواه, ركع على ركبتيه, غامت عيناه, أحسّ أن الدنيا تدور به, قاوم بكل ما أوتي من قوة رافضاً الاستسلام., وكلبوةٍ فقدت أحد أشبالها على مرأى منها, نهض يبحث ببسالة عن أصابعه المبتورة وسط أكوام نشارة الخشب, مستدلاً عليها من نقاط الدم المبعثرة في المكان..

فجأة همد وتوقّف مناجياً: ( يا ربّ! التوبة.. سامحني على غلطتي, والله سأهدي بناتي الثلاث كل واحدة منهن إصبعاً, لتكون عبرةً لكل من تسوّل له نفسه مدّ يده إلى مال الحرام.. لعن الله السرقة والفساد وكل الموبقات).

أحسّ بأن نوراً إلهياً تسرّب إلى أعماقه, بالطهارة تدبّ في أوصاله, خالجه شعور بالارتياح وكأنه حظي على المغفرة من كافة آثامه وخطاياه. نظر إلى السماء شاكراً واغرورقت عيناه بالدموع, وأشرق طيف ابتسامة على وجهه المكدود. وبقوة وحماس المندفع للشهادة, طفق يبحث عن أصابعه من جديد...