أول الثوابت في السياسة اللبنانية أن لا ثوابت فيها.. علّمتنا التجارب أن التقلّب في الموقف هو الشطارة في السياسة، لا بل هو ميزة السياسة. فأنت إن تمسكت بموقف لا تحيد عنه، نظراً لإيمانك بأنّه الموقف الصائب أو الموقف الحق، فلن تجد من يقول عنك إنك مبدئي أو صادق مع ذاتك أو أمين على قضية تؤمن بها. بل سيقال عنك إنك متزمّت، متحجّر، دخيل على السياسة. هذا إن رحموك، وإلاّ فأنت ساذج أو عبيط أو مغفّل. إن رأيتَ في التقلّب أو التلوّن أو التأرجح في السياسة رياءً أو نفاقاً أو تذبذباً فإنك سرعان ما تجد نفسك وحيداً وبالتالي معزولاً في ما ترى وتقول. هل تكون أنت وحدك على حقّ والكل من حولك على خطأ أو على باطل؟ أجل، إنك تجد نفسك في مواجهة مع الكل.. أو الغالبية، لأن في السياسة، التي تسمى في بلادنا تجاوزاً ديمقراطية، الناس على دين ملوكهم. وساسة لبنان، أو من يُعتبرون في عداد الفاعلين على الساحة، هم ملوك طوائفهم، كيفما مالوا مالت معهم جماهيرهم. والملك لا يخضع لحساب رأي عام. فالرأي العام يتمايز على خطوط الفصل بين الطوائف، والرأي على مستوى العشائر الفئوية هو ما يعبّر عنه زعيم العشيرة الأوحد.

راودتني كل هذه الخواطر لحظة استماعي إلى حصيلة المحادثات بين نخبة مختارة من أساطين السياسة في لبنان في ختام كل جولة من جولات الحوار الوطني. وفي الحصيلة ما فيها دوماً من لازمة تتغنّى بالجدّية في الحوار والإيجابية في النقاش والانفتاح في عرض القضايا وطرح الحلول البديلة لها. فلا يسع السذّج من أمثالي إلاّ التساؤل: ماذا كانت تعني كل التهديدات والتحذيرات والتباينات الحادّة والقاطعة في المواقف المعلنة؟

- ماذا كان يعني القول الجازم بأن المطالبة بإسقاط رئيس الجمهورية فوراً، قبل 14 مارس/آذار ،2006 نهائية لا عودة عنها؟ فإذا بالرئيس يردّد في مناسبة وغير مناسبة أنه باقٍ حتى آخر لحظة من ولايته الممدّدة. وإذا بأطراف الحوار لا يرون في بقاء الرئيس أو رحيله قضية مبدئية بل مجرّد مشروع صفقة لم ترَ النور نظراً لتفاوت الأثمان المطلوبة في المقابل. فبين الأطراف فريق أساسي، أقله بكثافة التمثيل النيابي، من يلحّ على ترحيل الرئيس بلا مقابل، فالثمن الذي يصمّم على قطفه انتصار باهر ساحق على خصومه كي تغدو الساحة السياسية مرتعاً له أو حكراً عليه بعد ذلك. وبين الأطراف من يصرّ على أن يكون موضوع الرئاسة مادّة وفاقية، أي ثمرة مساومة على سائر مواضيع الخلاف السياسي، كما على النهج السياسي في عهد رئاسي مقبل، وبالتالي ثمرة اتفاق على هوية الخلف للرئيس. وبين الأطراف من يصرّ على أن يكون البديل في الموقع الرئاسي من صفوفه، أو من لدنه، ولا مساومة على ذلك بمنطق حكم الأكثرية، وسلامٌ على الديمقراطية التوافقية التي يُدعى إليها في مواسم أخرى.

- وماذا كان يعني القول الجازم القاطع بأن المقاومة لم يعد لها دور، وأنها باتت في منزلة العصابة المسلّحة (الميليشيا)، وأن مزارع شبعا لا تحرر بالمقاومة، بل بمقاضاة “إسرائيل” أمام المحكمة الدولية، وأنّ في استمرار وجود تنظيم مسلّح خارج إطار الدولة إنما هو فعلياً إلغاء للدولة. وهؤلاء يريدون من الناس أن تنسى أنّهم هم أيضاً مدججون بالسلاح، وألا يتذكّر الناس أن الاحتلال “الإسرائيلي” لم يجلُ عن الأرض اللبنانية في عام ،2000 يوم التحرير، بفضل المحكمة الدولية أو بفضل قرارات الشرعية الدولية التي بقي منها القرار 425 عالقاً من دون تنفيذ زهاء 22 سنة، بل كان ذلك بفضل المقاومة. ويُصرّون على التأسّي بموقف سوريا في الجولان. ولا يسلّمون بمنطق أن لبنان لو سار في الجنوب على خُطى سوريا في الجولان لبقِيَ الجنوب كما بَقِيَ الجولان أَسير الاحتلال حتى اليوم. وهم لا يريدون أن يفسّروا للناس لماذا يكون التحرير فيما مضى مشروعاً بالمقاومة، ولا يكون التحرير لما تبقى من أرض محتلّة إلا عبر محكمة دولية أو عبر الاستنجاد بالدولة العظمى التي تناصر قوة الاحتلال “إسرائيل” على الباطل؟ وبمراجعة حصيلة الحوار الوطني داخل المؤتمر نكتشف أنّ كل الاحتمالات أضحت واردة، وأن المواقف المبدئية المتشنّجة يمكن أن تكون مجرّد وجهات نظر قابلة النقاش. أما ما بدا أنّه مأزق في تضارب المواقف المعلنة فهو وهم، كالسراب، مقدّر له أن ينجلي عندما تقترب منه.

وماذا يعني القول القاطع الحاسم، في سياق الحديث عن العلاقة مع الشقيقة سوريا “إن البحر من أمامكم والعدو من ورائكم” والعدو هو سوريا، وأن المطلوب ليس تصحيح العلاقة مع سوريا وإنما تصحيح الوضع داخل سوريا، بمعنى تغيير النظام في سوريا، من دون التورّع عن تحريض الدولة العظمى على مهاجمة البلد الشقيق، الذي تجمعه ولبنان حدود تتعدّى الثمانين في المائة من مجمل حدوده البرّية. وهذا مع التأكيد المتكرّر، ولو لفظاً، على التزام سقف الطائف الذي قضى بعروبة لبنان انتماءً وهويةً. وليس من يتساءل: كيف تستقيم عروبة لبنان، على ما تعبّر عنه من مصالح استراتيجية مصيرية، بمعزل عن الجارة الأقرب سوريا أو بالقفز فوق دمشق إلى بغداد أو عمّان أو القاهرة أو الرياض أو أية عاصمة عربية أخرى؟ والطريف أنك بعد جولة فاصلة من المحادثات في مؤتمر الحوار الوطني في بيروت تكتشف أن حدّة العداء لسوريا قابلة للمعالجة بصيغ شبه إنشائية. فيكون الاتفاق بين المتحاورين على ما لم يكونوا مختلفين حوله أساساً: ضرورة إقامة علاقة متكافئة وندّية، تحترم سيادة كلا البلدين، وترسيم الحدود، وتبادل التمثيل الدبلوماسي. وما كان أحرانا أن نتبنّى هذه العناوين الحلوة من دون أن نمرّ في حالات من التصعيد والتشنّج وإطلاق الشتائم وإعلان القطيعة نهائياً مع الجار ولو جار.

- والكل يُجمع على إطلاق يد التحقيق الدولي لجلاء الحقيقة في الجريمة النكراء التي أودت بحياة المغفور له الرئيس رفيق الحريري، وعلى التعاون في هذا التحقيق إلى أبعد الحدود وتذليل أية صعوبات قد تعترضه. ولكن هذا لا يحول دون استباق نتائج التحقيق بإطلاق الاتهامات يميناً ويساراً وإعلان المسؤولين عن الجريمة من أفراد وجماعات وأجهزة ودول.

وما كانت ثمّة غضاضة في إطلاق الاتهامات لو لم تكن فعلياً مطيّة لتعميق الانقسامات الفئوية بين اللبنانيين ولتوسيع شقة الخلاف حتى القطيعة مع دول شقيقة.

كنّا وما زلنا نقول إن الخبر وجهة نظر، وكذلك الرقم. اسأل عن حجم الدخل القومي أو الانتاج المحلّي أو واقع البطالة في صفوف اليد العاملة أو مقدار الدَين العام أو عدد السكّان المقيمين في لبنان فيأتيك الجواب أشكالاً وألواناً. فالأمر يتوقّف على هوى المصدر ورأيه وربما أمنياته. ونحن نكاد نقول هنا إن الموقف الوطني في لبنان وجهة نظر. فباسم الوطنية تسمع أن سوريا عدو ولا تعود تسمع أن “إسرائيل” عدو، وباسم الوطنية تنتهك القيم الأخلاقية وحتى الدينية، لا بل ترتكب أفظع أعمال الفساد والإفساد في السياسة والإدارة والمجتمع. وباسم الوطنية لا بل تحديداً باسم الوحدة الوطنية، تُعقد الخناصر بين أعداء الأمس، فيستعيضون عن تراشق الشتائم وشتى النعوت النابية بالابتسامات حول طاولة الحوار وتبادل النكات السمِجة لا بل وعبارات الغزل.

كل هذا ينطبق على السياسة والسياسيين. إن سلكت هذا النهج وهذا التوجّه وسرتَ على هذا الطريق، فأنت سياسي ناجح. وإن لم تفعل فسرعان ما تجد نفسك خارج الحلبة. سُئلت يوماً ما إذا كان هذا الأمر ينطبق عليّ شخصيّاً، وقد ولجت المعترك السياسي منذ ثلاثين سنة عندما تولّيت رئاسة الوزراء للمرة الأولى على رأس حكومة من التكنوقراط، أي من غير محترفي السياسة، فكان جوابي: نعم. هذا ينطبق بكل تأكيد عليّ شخصياً، وقد وجدت نفسي بعد طول تجربة خارج الحلبة السياسية بسقوطي في الانتخابات النيابية عام 2000.

فكنت الرئيس الوحيد للوزراء في تاريخ لبنان الحديث الذي يسقط في الانتخابات النيابية وهو في سُدّة الرئاسة، فأعلنتُ على الأثر عزوفي نهائياً عن النشاط السياسي المحترف، فلا أرشّح نفسي للنيابة مرة أخرى، ولا أتقبّل أي منصب حكومي. وهذا دون مغادرة حلبة السياسة بمعنى الإدلاء بمواقف والقيام باتصالات. احتفظتُ، بعبارة أخرى، بوجهة نظري في السياسة.

السياسة في لبنان مشوبة للأسف الشديد بكثير من الرياء والنفاق. ولن تستقيم، بمعنى التِزام الثوابت والمسلمات والقِيم، إلاّ عندما تَسود قواعد الديمقراطية الحقيقية في الحياة السياسية، بما يلازمها من فعالية للمساءلة والمحاسبة، وهي فعلياً غائبة أو مغيّبة في الوقت الحاضر. لذا أقول إن أي مشروع فاعل للإصلاح الحقيقي لن يكون منه طائل إلاّ إذا كان محوره ومرساه تطوير التجربة الديمقراطية في لبنان وتفعيلها على وجهٍ مَحسوس.