يحاول النظام السوري إدارة معاركه على مختلف الجبهات التي تزداد مع مرور الزمن كمّاً ونوعاً. ولا يخفى على أحد أن أعنف تلك المعارك وأشرسها هي تلك الهجمة التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية تنفيذاً لأجندتها الخاصة،ومصالحها،ومشاريعها المتصلة بالمنطقة وخصوصاً في العراق. وتزداد هذه الهجمة حدّة كلما أوغلت الإدارة الأمريكية في سقوطها في الوحل العراقي التي ساهمت هي بذاتها،وبـ(فوضاها الخلاقة) في تشكيله !.

وفي هذا الميدان، فإن أهم الأسلحة التي ترفعها الولايات المتحدة في وجه نظام دمشق هي لجنة التحقيق الدولية المكلفة بالتحقيق في جريمة اغتيال الحريري. وتعتبر التصريحات الأمريكية المتعلقة باللجنة ،أو تسريب بعض المعلومات المتعلقة بعملها،بمثابة مقياس حرارة سياسي،يقاس به مقدار ما يدور وراء الكواليس،أو ما يجري تحت الطاولة من صفقات،أو مقدار الشد والجذب الدائر بين الإدارتين السورية والأمريكية. وعلى هذه الجبهة فإن النظام السوري فيما يبدو قد حقق بعض النجاحات ،واستطاع حتى الآن تجاوز المنزلقات والمطبّات الخطيرة التي وضعتها الإدارة الأمريكية في طريقه. كما بدأت تظهر بعض المؤشرات التي تدل على أنه ربما كانت هناك صفقة ما، تحاول الأطراف المعنية عقدها بالخفاء، لخلاص الجميع من (مأزق) اللجنة المربك ،بتقديم بعض أكبش الفداء لهذه الـ(هيصة)الدولية التي آن الأوان لإسدال الستار على فصولها الأخيرة !.

الميدان الثاني الذي يخوض فيه النظام السوري معاركه مع الضغوط الخارجية، هو لبنان. وعلى هذه الساحة أيضاً فمازال بإمكان النظام إحراز بعض الانتصارات،نتيجة إمساكه بالورقة الشيعية القوية والمدعومة من إيران،الحليف الحالي القوي للنظام السوري. وأحد أهم الانتصارات الأخيرة التي حققها،منذ خروجه من لبنان، هو التقارب بين العماد ميشال عون،العدو التاريخي السابق لسوريا،وحسن نصر الله زعيم حزب الله.وبالتالي بعثرة أوراق التيارات اللبنانية المعادية لسوريا،وإجبارها على إعادة حساباتها،ومحاولة إعادة اللحمة إلى صفوفها الآخذة بالتضعضع،وخصوصاً بعد تفرد وليد جنبلاط زعيم الدروز بالإدلاء بالتصريحات النارية والرعناء بعض الشيء ضد سوريا،والتي كان لها رد فعل عكسي في الوسطين اللبنانيين ،السياسي والشعبي.

الجبهة الثالثة التي تقود فيها سلطة دمشق معاركها بنجاح لافت،هي جبهة المعارضات الداخلية والخارجية للنظام.

وعلى هذه الجبهة فإن النظام مازال يحرز انتصارات كاسحة،مجبراً معارضته ومنتقديه السياسيين الداخليين والخارجيين على مزيد من التراجعات والانكسارات ،نتيجة ضرباته الخبيرة والمحسوبة جيداً،وفق المنطق الجديد الذي حدد من خلاله تعاملا جديدا مع هذه المعارضة،يختلف عن أسلوب الرئيس الراحل حافظ الأسد الذي كان يعتمد سياسة البطش والترهيب كسياسة وحيدة لقمع معارضيه. ورغم التنوع الجديد الذي طرأ على أطراف المعارضة،خصوصا بعد انشقاق عبد الحليم خدام ومن ثم تحالفه مع البيانوني،والسعي لتشكيل حكومة منفى،وما شابه،فإن السلطة السورية مازالت إلى الآن قادرة على قطع الهواء عن معارضتها عبر استخدامها الهائل والمكثف لوسائل إعلامها الديماغوجية،وعبر التلويح بسياطها الأمنية بين الحين والآخر،وعبر إطلاق بالونات الاختبار كل فترة كعزمها على إصدار قانون للأحزاب،وتجنيس الأكراد،..الخ.

بعض أطراف المعارضة تعتبر بأن سياسة الصوت الواحد التي يتبعها النظام سوف تكون وبالاً عليه،وبأنه سوف يضطر أخيرا إلى الرضوخ لمطالبها المحقة. إلا أنه وكما هو معروف،فإن كل الأطراف العربية والدولية الفاعلة ،وحتى أمريكا بالذات،لا ترغب بإسقاط النظام وإبداله بمعارضة وطنية أو إسلامية،معادية جذريا للغرب وإسرائيل.وبالتالي فإنها لا تقدم للمعارضة السورية إلا النزر اليسير من المؤازرة والدعم،كما حصل مؤخراً حين خصصت الإدارة الأمريكية مبلغ الـخمسة ملايين دولار، المهزلة،لدعم النضال الديموقراطي السوري (!)..

الميدان الرابع الذي يثير أكبر الهواجس والمخاوف السورية،هو في المجال الاقتصادي. وفي حين استطاع النظام السوري الصمود والإفلات من الضغوطات الخارجية حتى الآن ،لكنه على الصعيد الاقتصادي لا يبدو أنه قادر على تحقيق أية نجاحات تذكر،بل إنه بالأحرى يواجه شبح كارثة اقتصادية مدمرة لا تذر !. ورغم ما يدعيه إعلاميا من سيطرته على اقتصاده،وإعلاناته المستمرة عن مشروعات طويلة عريضة،وعن استثمارات ضخمة قادمة إلى البلاد، إلا أن المطّلعين على التفاصيل لا يخفون تشاؤمهم من المجهول القادم قريباً.

ذلك أن أزمة الاقتصاد هي أزمة بنيوية ،تحتاج أولا إلى إرادة من هم في مواقع القرار لإعادة بنائه بما ينسجم مع العصر،كما يحتاج وبالضرورة،إلى أجواء سياسية خارجية وداخلية مناسبة،وهذا مما لا يتوفر للسلطة حالياً. ونتيجة للفساد المستشري في مفاصل الدولة،وتشكل مافيات فساد مرعبة،تمتلك القدرة على لجم أية محاولات للإصلاح الجزئي،فإن الوضع يبدو ميؤوسا منه لحل الأزمات العاجلة كالبطالة ونضوب النفط وغيرها،والتي تتطلب معالجات إسعافية وسريعة،ولا تلوح في الأفق أية بارقة أمل لحل هذه الأزمات.

مما سبق فإننا نعتقد بأنه،ورغم الصمود الحالي للنظام السوري في وجه الضربات التي يتعرض لها،لابد سيتأثر في وقت ما، نراه قريبا جراء هذه الضربات،وخصوصا نتيجة النخر الداخلي الهائل الحاصل في جسم الدولة،وحجم التحديات الاقتصادية الهائلة التي يواجهها. وما لم يبادر النظام،رغم يأس البعض،إلى إعلان ورشة إصلاح هائلة تشمل الميدانين السياسي الداخلي والاقتصادي،بسبب ترابطهما الجدلي مع بعضهما، وبمشاركة كافة قوى الطيف السياسي،فإن كل محاولاته للصمود بوضعه وأدواته الحاليين أمام الضغوط الخارجية ستجر عليه وعلى شعبه مزيداً من الخراب،وقد تؤدي إلى سقوط مدو للنظام الذي يبدو الآن متماسكاً،وربما كان في سقوطه المفاجئ غير المحسوب،وغير المرغوب فيه دوليا وإقليميا،الخراب والدمار لبلدنا الحبيب !.