في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كانت اوروبا والولايات المتحدة تخطوان خطوات حثيثة، ولأسباب متباينة ومختلفة، نحو العلمانية الشاملة (القرن التاسع عشر)، لأن الانقسامات الدينية والصراعات المذهبية كانت في السابق انهكت أوروبا وشكلت عائقاً رئيساً امام التطور الصناعي والبحث المحموم عن الأسواق لتصريف الانتاج الصناعي والحصول على المواد الأولية، وكذلك بسبب المنوّعات والمكونات الفريدة للمجتمع الأميركي (تعدد الجذور الدينية والمذهبية للمهاجرين الأوائل، هذا ما عدا الجذور العرقية والقومية واللغات واللهجات المتعددة). فالعلمنة ليست هدفاً بحد ذاتها بل هي الوسيلة والإدارة والمشروع الذي يرمي الى توحيد الأطياف والمكونات والخصوصيات التي يتشكل منها النسيج الاجتماعي في اطار دولة بما فيها من دستور ومؤسسات وادارات كي تعمل بكل طاقاتها فلا يكبح ويعيق ولا يعرقل انتاجها التباين والاختلاف بل التنازع بين هذه المكونات.

ان إجراء مقارنة ضرورية بين تركيبة الدول الصناعية (اوروبا الغربية، الولايات المتحدة) من جهة والأمبراطورية العثمانية الخاضعة لخط الانتاج الآسيوي حيث نظام الخلافة والنظام الملي الذي كان يدير البلاد والذي يستند الى غياب الصناعة وزراعة متخلفة تعشش فيه الأمية والجهل والقبلية والعشائرية. فالمجتمعات العربية التي انبثقت من الأمبراطورية العثمانية ورثت الكثير من عوامل التخلف والأسباب المعرقلة للوحدة الاجتماعية الضرورية لقيام العلمنة، فهي لم تقم بثوراتها الديمقراطية الخاصة بها ولم تشهد تطوراً ديمقراطياً بقواها الذاتية بل خضعت لأنظمة الانتداب والوصاية (الاستعمار القديم) التي لم تكن له أي مصلحة في إرساء أنظمة علمانية بل على العكس من ذلك أبقت وعمّقت النظام الملي الطائفي والمذهبي وحافظت على الموروث من المرحلة السابقة وكان جول فيري، رئيس وزراء فرنسا في نهاية القرن التاسع عشر، يقول: “ان العلمنة ليست للتصدير!” اي ما معناه انها حكر على الدول الصناعية المتقدمة. وكان قمة هذا الاندفاع هو قانون 9/12/1905 الصادر عن البرلمان الفرنسي.

هكذا نفهم من هذا السياق لماذا صعق رفاعة الطهطاوي عندما ذهب الى باريس لاتمام دراسته فاطلع على حياة اجتماعية وسياسية مختلفة بما لا يقاس كلياً عن تخلف الشرق وخضوعه لأنظمة الاستبداد، وكذلك كانت هي الحالة نفسها مع محمد عبده ولا شك ان الهواجس نفسها هزت اللبنانيين المسيحيين الذين أموا روما لمتابعة دروسهم اللاهوتية في الفاتيكان، فالبحث في الأساس المادي لتركيب المجتمعات العربية يقودنا حتماً لنقاش طبيعة النظام الرأسمالي الكولونيالي وعلاقاته بالمستعمرات التابعة له، كما ان البورجوازية الوطنية التي حلت محل الاستعمار كانت بدورها انظمة رأسمالية تابعة ولم تستطع بناء صناعات وطنية تستقل عن هيمنة النظام الرأسمالي العالمي (رأسمالية القلب ورأسمالية الأطراف).

تبدو لنا من الصعب جداً مشاهدة ولادة طبيعية لنظام علماني يطاول الحياة السياسية والادارة والتعليم والجيش ومؤسسات المجتمع المدني وقانون الانتخاب ليحقق الوحدة الاجتماعية والسياسية في مجتمع تمزقه العصبيات وتكبحه الصراعات الدينية والمذهبية والاثنية وكل منوّعات الولاء العشائري والقبلي، والمثال التركي شاهد على رأينا هذا عندما أدخل مصطفى كمال (1881 ــ 1938)، بقرارات فوقية، العلمنة الى تركيا. ورغم شخصيته الهائلة، ما ان غاب مصطفى كمال حتى عادت أدران وأمراض المجتمع التركي لتظهر من جديد، لا بل ان التجربة السوفياتية نفسها تندرج في هذا الإطار اذ ما ان سقط النظام السوفياتي (1991) حتى راحت أمراض المجتمع السابق تطل برأسها من جديد من تعصب قومي الى خلافات دينية ونوازع جهوية، فتفسخت الدولة العلمانية التي ادعت انها حلت المشكلات القومية والدينية الى دول انفصالية على خلفيات قومية ودينية وجهوية.

على ضوء كل هذا النقاش الذي أثرناه ينطرح سؤال بديهي: ما هي حظوظ علمانية ناجحة في الوطن العربي؟ اذا أردنا ان نكون موضوعيين علينا الإجابة بأن حظوظ العلمنة تكاد تكون معدومة الآن، فما هي الأسباب؟

ــ استمرار تأثير اشكال التخلف من أمية وعشائرية وقبلية وجهوية وكل موروثات المجتمع العثماني القديم وعدم القدرة على مكافحتها ومعالجتها للانتقال بالمجتمعات العربية الى مرحلة اعلى في تطورها. ــ تراجع وسقوط المشروع الوطني القومي كبديل عن النظام الديني القديم بسبب وجود المصالح الطبقية الضيقة للبورجوازية الصغيرة العسكرية العربية المأزومة والعاجزة عن انجاز مهمات الثورة الديمقراطية. ــ استمرار سيطرة الأنظمة التقليدية العربية حيث غياب تام للديمقراطية السياسية رغم بعض الاصلاحات السطحية التي لا تطاول اساس وجوهر المشكلة. ــ صعود الاسلام السياسي كبديل عن المشروع القومي في مواجهة العولمة والأحادية الأميركية وبروز تيارات أصولية متشددة واعتماد بعضها للإرهاب في الدول الاسلامية والعربية والعالم. ــ أزمة النخب المثقفة العربية وتخليها عن دورها الطليعي والكفاحي في حمل مشروع العلمنة والتحاقها بالأنظمة السائدة. ـــ التداعيات البالغة الأثر للنظام الاستهلاكي الجديد ودوره البارز في تشويه العلمنة عبر الاعلام المضلل والمبرمج مساهمة منه في ما يسمى “الفوضى الخلاقة”. ــ تراجع القوى اليسارية والعلمانية العربية بعد سقوط الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية وسيطرة الأحادية الأميركية.

ففي الوقت الذي تضرب فيه المنطقة العربية أزمات حادة وخطيرة تراكمت نتائجها على امتداد عشرات السنين حيث تبدو الحاجة الى العلمنة في بلدان متعددة التكوين، ضرورية وملحة، تطل الحرب الأهلية المذهبية والدينية والقومية والاثنية في البلدان العربية لتهدد وحدتها ومستقبلها، فلا بد من اعادة تجميع كل القوى الديمقراطية والعلمانية واستنهاض كل المثقفين المهزومين والمحبطين والنقابيين والحريصين على كرامة الانسان والمعترفين بالآخر طوعاً ومن دون استئثار ولا قهر ولا تمييز، وذلك من أجل اعادة استنبات المشروع العلماني كحل وحيد لمجتمعات متعددة الأديان والمذاهب والاثنيات والثقافات.