اياد ابو شقرا

الكلمات أعلاه جاءت في تعليق كاريكاتوري طريف قبل عدة سنوات في إحدى صحف المعارضة المصرية، وذلك تحت صورة مواطن عربي يطالع في صحيفة أخبار العنف والتأزم السياسي في الجزائر ولبنان والأراضي الفلسطينية والسودان والعراق وغيرها.. حقاً... إنها أمة عربية واحدة، وهي باقية كذلك حتى تفلت من دوامة خداع الذات، والتذاكي على الآخرين، والهرب إلى الأمام من أمراضها الاجتماعية وخطاياها السياسية.

ثمة قواسم مشتركة لمعظم الأزمات السياسية التي تعصف بعالمنا العربي، يمكن إدراجها في ما يلي:

> العامل الأول ـ نقص شرعية التمثيل السياسي، وهو ما تعبّر عنه بعض الأوساط اليوم بالافتقار إلى الديمقراطية وآليات «الحكم الصالح». وهذا بند خطير وأساسي إذا أعطيناه حقه من التحليل، وبخاصة لجهة وجود محاسبة شعبية لسلطة مسؤولة عن تصرفاتها.

فواقعياً، لا وجود لأحزاب سياسية حقيقية ولا وجود لمناخ صحيح يتيح لهذه الأحزاب ـ إذا وجدت ـ ممارسة الدور المفترض أن تلعبه. ومن ناحية أخرى، يشكل «الوطن» الملاذ الأخير الذي تلجأ إليه السلطة عندما تعتمد خيارات خاطئة سواء عن غباء أو «شطارة» في غير محلها. وبالتالي يصبح كل معارض ـ بل كل يوجه انتقاداً أو يشير إلى تجاوز ـ متهماً بالخيانة لـ«الوطن». فالزعيم الأوحد يختصر «الوطن»، و«الحزب القائد» وحدة يجسد «الأمة»، وهتافات الغوغاء ومقالات ارتزاقيي الإعلام الحكومي وتقارير مخبري السلطة خير معبِّر عن خلجات ضمير «الوطن» و«الأمة» معاً.

> العامل الثاني ـ تواضع مستوى الوعي السياسي الشعبي المتأثر سلباً بجملة من العوامل الاجتماعية والتربوية والاقتصادية، وهو حتماً على تماس مع العامل الأول. فالمواطن العادي إما لنقص في الثقافة وإما لضيق موارد الرزق وإما لهواجس نفسية، بعضها ناجم عن الترويع والترويض السلطوي، ما عاد يشعر حقاً أنه إنسان حر. ومن ثم يبدو متنازلاً عن حقه الطبيعي بفرض التغيير، وقانعاً بأن يعيش على فُتات موائد السلطة. أما المعارضة المقوننة فتشكل في عالمنا العربي جزءاً من «ديكور» المشهد السياسي... في ظل ثقافة الاستكانة ومنطق «العين لا تقاوم المخرز»... و«هو احنا ح نعرف أكثر من الحكومة؟».

> العامل الثالث ـ حسم مسألة دور الدين وعلاقته بمؤسسة السلطة، وهذا عامل يبدو محسوماً ليس فقط في الدول الغربية المتقدمة ومعظم الدول الآسيوية، بل حتى في العديد من دول العالم الثالث، لكنه ما زال يشكل حالة إشكالية في العالم العربي. فمن الواضح هنا أن الهوية الدينية كانت المستفيد الأكبر من اختلال المعادلة الدولية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وغياب أو تغييب الهوية القومية إما نتيجة أخطاء أصحاب البديل القومي وإما نجاح إسرائيل في دعم وتنسيق استراتيجيين من الغرب في تطبيق سياسة «الاستفراد» على المنطقة العربية.

وهكذا في ظل سقوط البديل الآيديولوجيين «الاشتراكي ـ التحرري» المناوئ للإمبريالية والبديل القومي العربي النهضوي والوحدوي.. ما عاد ثمة ما يمنع التفتت الكامل إلا الملاذ الديني. وبطبيعة الحال كانت القوى الدينية من القوى القليلة التي أفلتت من بطش الأنظمة الشخصانية والتوتاليتارية العربية لأنها كانت محصنة ضد تهم «الكفر والعمالة للشيوعية» الرائجة إبان حقبة الحرب الباردة.

> العامل الرابع ـ هو انعدام القدرة عند معظم سلطات العالم العربي عن نزع فتيل التقسيم الناجم عن إخفاقها في التعامل مع الأقليات الدينية والمذهبية والإقليمية إما لإهمالها التنمية المتوازنة وإما رفضها التمثيل الصحيح أو تمييزها العنصري المكشوف. والحصيلة كما نرى اليوم تولي «الخارج» زمام المبادرة في تحديد جدول أعمال معارك التوتير الابتزازي تحت طائلة التقسيم. ومن البديهي أن هناك أطماعاً ومخططات لـ«الخارج» ـ أو العدو الخارجي ـ في كل مناطق العالم، وبالذات في الشرق الأوسط، لكن من المؤسف أن معظم الدول المهددة حالياً بشبح التقسيم دول عربية!

هذه بعض ملامح المرض.. فهل من علاج قريب؟