أراد عراق صدام حسين ان يهدّم ايران الشاه. وبعدما وقّع صدام حسين معاهدة مع ايران في الجزائر عاد فوقف امام التلفزيون ومزّقها. وفي صورة مباشرة او غير مباشرة، لعب العراق دورا في عودة الامام الخميني بعد نفيه الى باريس التي عاد منها الى طهران في طائرة الانتصار، فيما استقل الشاه طائرة التشرد حتى الموت. هل يتأمل صدام حسين الآن في التاريخ، وهو يرى ان ايران التي حاربها تلعب الدور الاول في العراق؟ مأساة الرجل انه كان طالبا متعجرفاً في قراءة التاريخ. والمتعجرفون يظنون ان التاريخ يكرر نفسه بعيداً عنهم، اما هم، فيقدرون على تطويعه. لقد انتهى الامر بصدام حسين انه صدق نفسه وصدق تماثيله وصدّق صوره وصدق بندقيته وصدق الأصفار الذين اخترعهم وأحاط نفسه بهم. كان يكره الحقيقة ويخاف المشورة ويرفض ان يرى في المرآة ما يرى.

حدث الشيء نفسه تقريبا في الحرب العالمية الاولى، ارادت المانيا ان تخرج روسيا القيصرية من الحرب فأخذت تشجع البلاشفة على الثورة. ثم موَّلت عودة لينين نفسه الى روسيا. لكن قيام الشيوعية ادى في المقابل الى قيام النازية في المانيا. ثم رأت هتلر نفسه يقود الجيوش لكي يهزم السوفيات الذين شجعهم اسلافه. وبعد سنوات كان البلاشفة الأوائل يدخلون برلين المدمرة ويحرقون بقاياها وينزلون فيها الذلَّ.

أتابع محاكمات صدام حسين لأرى، هل لدى الرجل شيء يقوله للتاريخ؟ هل لديه خطاب يتلوه على شعب العراق؟ وما هذه المحاكمة السطحية التي تحاكم رجلاً طوال اسابيع على قرية «الدجيل»، فيما هو قاد مليون عراقي الى الموت في العبث، وشرد الملايين واحتل الكويت وحاول ان يغير معالم العالم العربي وكأنه يلعب بخريطة ورقية في حديقة الدار؟ المحاكمة في مكان والقضية في مكان. وصدام حسين لم يغادر بعد عالمه الشعري الخطابي. قافية يذهب بها الى الحرب، وبقافية اخرى يعود.