كثير من التحليل الاجتماعي، كثير من التفسيرات الاقتصادية، وجوهر من الصراع السياسي.. هي ما يفسر الاحداث الاخيرة التي تهز فرنسا. فقبل اشهر لم تأت احداث الضواحي من فراغ، كان وقودها الكثير من المشاكل المزمنة من بطالة وتهميش وازمة هوية، ولكن هذا الحطب اليابس لم يشتعل الا لان هناك من رمى فيه عود ثقاب قوي الاشتعال ولم يستمر مشتعلا الا لان هناك من اراد له ان يستمر لايام، ولم يخمد الا لان هناك من قرر وضع حد لناره. اما من هي هذه الثلاثية، فامر معقد وبسيط في آن، امر يكمن الجواب عنه في آلية الصراع على المعركة الرئاسية الفرنسية القادمة، التي تترجم آلية صراع تاريخي بين خطين سياسيين، لم يتوقفا عن الصراع منذ الجنرال ديغول، خط الاستقلالية الاوروبية عن الاميركيين والتوازن ازاء قضايا العالم الثالث، خاصة القضايا العربية، وخط التبعية غير المشروطة للولايات المتحدة والتأييد المطلق للصهيونية واسرائيل. واليوم اذ يشعل الطلاب شوارع باريس وسائر المدن الفرنسية، يقول علماء الاجتماع ان تحرك هؤلاء هو، في احد وجوهه، رد رديف لاحداث الضواحي، تحرك من هم داخل الدائرة بعد تحرك من هم خارجها. ويسهب المحللون في تفسيخ نسب التعليم ونسب البطالة ونسب الذين يضطرون الى العمل في مجالات غير مجالات تخصصهم.. الخ.. الخ.

كله صحيح، وكله القش اليابس، الذي يحسن السياسيون اشعاله حين تدعو الحاجة. والحاجة اليوم هي المعركة الرئاسية القادمة في فرنسا. معركة قد تهم الفرنسيين منها اشياء كثيرة، وقد تهم الاخرين اشياء اخرى، وما يهمنا منها نحن هو تأثيرها على قضايانا العربية.. واذ نقول قضايانا بتعميم فذاك لانه لا مجال للفصل بين اية ساحة من ساحات الصراع العربي والساحات الاخرى. فان تكن قضيتا فلسطين والعراق هما الواجهة والبؤرة فان ما يحصل في لبنان او في سوريا او في السودان او حتى في الخليج هو بمثابة سائل الاواني المستطرقة. لكن الساحتين المذكورتين اولا تظلان الاساس لان ساحة فلسطين هي التي يحسم عليها المشروع الصهيوني، و ساحة العراق هي التي يحسم عليها المشروع الاميركي، وبالتالي مستقبل المنطقة والعالم. من هنا كان للصراع داخل القارة الاوروبية بين الخط الاميركي - الصهيوني، والخط الاستقلالي المتوازن، انعكاسه المباشر على هاتين القضيتين. واذا كان الخطان المذكوران قد تجليا بوضوح صارخ عبر الموقف من احتلال العراق، فان تجليهما لم يكن كما بدا ظاهريا بين دولة ودولة؛ فالدول التي ايدت واشنطن هي تلك التي كانت تحكمها، في حينه، انظمة من الخط الاول، دون ان يعني ذلك عدم وجود معارضة داخلية قوية تتمثل في اتباع الخط الثاني، وذلك بدليل المظاهرات الهادرة التي شهدتها شوارع لندن ومدريد وروما.. الخ، وبدليل التحول الذي شهدته اسبانيا مع انتصار المعارضة في الانتخابات. كذلك فان الدول التي عارضت الحرب لا تعدم معارضة قوية داخلية تعمل بدورها على تغيير سياستها عبر الانتخابات. وعلى رأس هذه الدول التحالف الثنائي: شرودر - شيراك.

واذا كانت الانتخابات الالمانية قد حسمت الوضع وابعدت الاول ومؤيديه، فان الانتخابات الفرنسية قادمة. واذا كان التنافس التقليدي قائما بين الحزب الاشتراكي وتجمع اليمين المعتدل، فان المسألة محسومة داخل الحزب الاشتراكي، حيث يتنافس مرشحون يختلفون في اشياء كثيرة، الا في تأييدهم لاميركا واسرائيل ’’اربعة من خمسة منهم يهود لا يخفون تأييدهم للصهيونية’’، لذا كان الرهان على صفوف اليمين، حيث الخط الممتد من شيراك الى الان جوبيه الى دومينيك دو فيللوبان، ولكن حيث يوجد ايضا خط متأمرك متصهين مثله المهاجر المجري الشاب نيقولا ساركوزي.. وبما ان شيراك منته سياسيا وصحيا، فان ابعاد جوبيه عبر المحاكمة الشهيرة شكل الضربة الاولى، التي كشفت الصراع الحاد بين ساركوزي الذي بدأ معركته من الايباك وهرتزليا، وبين دومينيك دو فيللوبان الذي اضطر الى الحلول محل جوبيه، في حين كانت الخطة ان يكون خليفته. ورغم هذا الارباك تمكن دو فيللوبان من ان يحقق نجاحات لا بأس بها، نجاحات لم يكن لكل خصومه ان يتركوها تقوده بسهولة الى الاليزيه. خصومه المحليون من يسار ومن داخل اليمين، ووراءهم وبقوة اللوبي اليهودي، واللوبي الاميركي (وهما متماهيان).

من هنا كان لا بد من الالتفاف على تنامي شعبيته بافتعال احداث تعيدها الى الحضيض.. احداث تتركز في صفوف البؤر الانتخابية التي يتوقع ان يحصّل فيها اصواتا.. البؤر العربية الاسلامية التي لا تنسى له خطابه في مجلس الامن ضد الحرب على العراق ، كما لا تنسى له مولده ونشأته المغربيين، وعلاقته الحميمة بالثقافة العربية.. (وهي نقاط استعملها الاخرون ضده ازاء شرائح اخرى من الناخبين)، والبؤر الفرنسية التي تتشكل من قطاعات الشباب. وهنا تلاقت مصالح اليسار مع مصالح ساركوزي، فمن جهة، لليسار امل اكبر في تحصيل الاصوات داخل هذه الشرائح، وذاك ما يعززه تنامي حدة الصراع مع الحكم، امل لا ينبع من المد الثوري لدى الشباب كما كان الحال في الستينات والسبعينات وانما من واقع ان جيل الشباب هذا بعيد عن التسييس كما كانت الاجيال السابقة، ولا ينطق الا بلغة المصالح الحياتية الفردية واليومية، مما يجعل خطاب الحزب الاشتراكي اقدر على دغدغة احاسيسه، ولكن ايضا مما يسهل اللعب به وبتحركاته من قبل اللوبيات اليهودية والاميركية.

اما ساركوزي فان اضعاف رئيس الوزراء لا يصب الا في صالحه خاصة وانه لم يخف تنصله من رئيسه، بل ومن رئيسيه. وقرر ترك الازمة مشتعلة والذهاب الى عقد اجتماع انتخابي في المناطق، حذف منه حتى شعار تجمع اليمين الذي يرأسه. هذه الدلالة الصغيرة هي امر ذو دلالة بالغة الخطورة، تقول ان الرجل لا ينتمي الا الى نفسه، والى من هم وراءه. فهل يعيش شيراك ودوفيللوبان اليوم حالة مشابهة لما عاشه شارل ديغول عام 1968؟ هل يدفع هؤلاء ثمن موقفهم من العراق كما دفع ذاك ثمن تحول موقفه من اسرائيل؟ المحللون الفرنسيون يقولون ان الوضع مختلف لان احداث الـ 68 كانت تحمل طابع الرومانسية السياسية الذي كسا تلك السنوات، في حين ان احداث اليوم تحمل طابع الواقعية الاقتصادية المعيشية المصلحية. ولكن ما الذي يغيره ذلك في التحليل السياسي؟ اوليست لكل مرحلة ادواتها ووسائلها بحسب سياقاتها، لتحقيق هدف قد يكون واحدا في استراتيجيته؟ افلا يذكرنا الوضع بالسؤال الذي جعله الكاتب اليهودي موريس صفران عنوانا لمقال افتتاحي في مجلة الاكسبرس عام 1991: ’’اوليس من الممكن تجنب القطيعة بين رؤساء الجمهورية الخامسة ويهود فرنسا؟’’. كان هذا المقال يومها بمثابة تهديد واضح مفصل لفرانسوا ميتران يحضه على الدخول في الحرب على العراق، ويحذره من الحديث عن دور اللوبي اليهودي في الضغط عليه. فهل تأتي صيغة السؤال اليوم عقوبة بدلا من التهديد، وارساء لمستقبل لا يتجرأ فيه رئيس على القطيعة؟