ثلاثة أعوام مضت على الحرب، ولم يعد أحد يدعي رؤية نهاية لها، مع أنها حققت هدفها الرئيسي في ثلاثة أسابيع، بإسقاط نظام صدام حسين. وفيما يواجه الأخير محاكمة متأرجحة بين الجد والهزل، أعيد انتخاب جورج بوش وتوني بلير لأسباب لا علاقة لها بانتصارهما في تلك الحرب، بل بالأحرى لإبقائهما في منصبيهما حيث يمكن محاسبتهما وربما محاكمتهما. ولا يكاد يمضي يوم واحد من دون أن تحمل الأخبار عناصر جديدة تكثف اللوم الموجه إليهما على الأكاذيب والتلفيقات التي ارتقياها تبريراً لحربهما.

بعد ثلاثة أعوام أصبح متاحاً التعرف إلى الأضرار التي سببتها تلك الحرب في النظام العالمي، في صورة الولايات المتحدة وبريطانيا، لكن خصوصاً في العراق نفسه، الذي تخلص طبعاً من ديكتاتورية لا يؤسف عليها بأي حال إلا أنه دخل في تجربة لا تنفك تمعن في تفتيته دولة وشعباً وأرضاً. كلما ظن بوش وأعوانه أنهم استطاعوا أخيراً ترويض انعكاسات الحرب على صورة الرئيس وانشغالاته والإرث الذي سيخلفه، كلما عادت اللعنة العراقية لتضرب مجدداً. أما بلير فقد أصبح ينظر إليه في بريطانيا كأنه متلبس إلا ما لا نهاية بخطأ تاريخي لا يجد سبيلاً لتعويضه إلا بمواصلة العناد والإصرار على أنه فعل ما اعتبره صواباً. وهكذا لم يعد بوش وبلير ليثقا إلا بإنصاف رباني يحكم لمصلحتهما.

وطالما أنهما يعتبران حربهما تلك إيحاءً من السماء، إلا أنهما مدعوان يومياً للتعاطي مع تطورات دراماتيكية لا يقولان إلى من ينسبانها، ربما إلى شيطان الإرهاب، أو إلى جحيم الانقسامات التي كانت كامنة في العراق، لكنهما رفضا استشرافها والاعتراف بها. من أين أتت إذاً تلك البشاعات التي ارتكبت في سجن أبوغريب، ولماذا كانت تلك الرعونة في معاملة سجناء في البصرة، ولماذا استخدمت القنابل الانشطارية (المحظورة دوليا- وأخلاقياً) كذلك الأسلحة الأخرى ذات الإشعاعات، وكيف حصل أن تدمير مدينة كالفلوجة والدمار الكبير في مدن ومناطق أخرى لم يتوصل إلى وقف النزيف الأمني المستمر، وكيف انتقلت قوات الاحتلال من كونها ضماناً ضد نشوب حرب أهلية إلى وقود وذريعة ومبرر لهذه الحرب، ولماذا، أخيراً، أصبح انسحاب محتمل لقوات الاحتلال نذير شؤم بعدما كان وجودها بارقة أمل في إقامة نظام ديمقراطي ينصف جميع العراقيين؟

لعل السر الذي انكشف على الرغم منه يكمن في أن أحد الأهداف غير المعلنة للاحتلال أن يشرف على تشظي العراق وانقسامه، لأن سلطة الاحتلال لم تهتم بأن تثبت على الأرض، كما لم يحرص مخططوها في واشنطن ولا في لندن على تأكيد إرادة إبقاء العراق موحداً. والأرجح أن ذلك لم يعد في الاستراتيجية الأميركية (-الإسرائيلية)، خصوصاً أن حجة التقسيم وديناميته جاءت أصلاً من الحكومات العراقية نفسها، لكنها المكوّنات التي تعاملت مع الولايات المتحدة قبل الاحتلال وبعده. ولا داعي للبحث بعيداً، بل لا داعي لإلقاء المسؤوليات هنا وهناك، والتذرع بالإرهاب مثلاً، فبذور التقسيم موجودة في طيات الدستور الجديد، والدستور، لا الإرهاب، هو ما سيصنع مستقبل البلاد.

ثلاثة عقود مظلمة في ظل صدام حسين، وثلاثة أعوام حالكة في ظل الاحتلال، ظلم خلالها الشعب العراقي ظلماً كبيراً، وما لبث أن تولى ظلم نفسه بنفسه. فمنذ اللحظات الأولى لما بعد الاحتلال، ثم في الأسابيع والشهور الأولى برهن عراقيو الحكم الجديد أنهم لن يعيدوا بناء الدولة إلا على شاكلة الانقسامات التي جاؤوا بها والتوازنات التي باتوا يتبنونها. وقد ساعدهم في المهمة "حاكم" أميركي غبي اسمه بول بريمر، اتخذ كل الخطوات التي أوصلت الوضع إلى ما هو عليه الآن.