محمــــد ح. الحـــــاج

مع إطلالة ربيع العام 2006 تطل علينا الذكرى الثالثة لاجتياح القوات الأمريكية-البريطانية لأراضي الجمهورية العراقية تحت ذريعة القضاء على أسلحة الدمار الشامل غير الموجودة أصلاً، وتبين أن للحرب أهدافاً كثيرة أخرى لا تقترب من حقيقة هذا الادعاء، ولقد اختلطت مصالح الأفراد بمصالح الجماعات، فمن قادة ورؤساء مجالس إدارات الشركات الاحتكارية، إلى مجموعات الحاقدين على شعوب المنطقة، إلى مصالح جماعات الضغط الصهيونية، إلى مخططات الحكومات الصهيونية المغرقة في تصميمها على تفتيت المنطقة ووضع اليد عليها ، والنتيجة أن أحداً من شعوب دول العالم بما في ذلك الشعب الأمريكي ، لم يكن له مصلحة في هذه الحرب العبثية – العدوانية التي حملت في رحمها جنيناً أشوهاً ، ثمرة سفاح بين كل تلك النوايا والأهداف . سنوات ثلاث تمر على العراق، يمكن بكل المعايير والمقاييس أن يقال أنها عجاف بكل ما حملته، سواء للشعب العراقي، - وهو المتضرر الأكبر- أو لشعوب الأنظمة المشاركة في الحرب، أو التحريض عليها، أو التواطؤ والسكوت على قيامها، سنوات حملت معها الخراب لكثير من المدن العراقية، وتدمير لكل البنى والمرافق التحتية، ولكل إنجازات الشعب العراقي العلمية والحضارية ، وكان ذلك هو جوهر الهدف المطلوب ، كما حملت الكثير من الآلام والمآسي والآهات لعائلات بلغ عديدها الآلاف على الجانبين الأمريكي والبريطاني، وربما في دول أخرى، حيث فقدت أبناءها دون أن يكون الهدف سامياً، أو وطنياً، بل هو عدواني بكل معنى الكلمة، وليس أبلغ من تعبير رجل أمريكي فقد ولده في مواجهات مع مجموعات مقاتلة ( صدرية) :

أنا لا أحمل حقداً على الشيعة في العراق، ولا على أتباع الصدر، فقد قمنا باحتلال بلدهم وهم يدافعون عن أنفسهم ... ،( كلام عاقل ) - وأما سيندي شيهان، التي فقدت ابنها أيضاً فهي تقود الاحتجاجات والتظاهرات ضد المحافظين الجدد وعلى رأسهم بوش ، ويتكاثر مؤيدوها في الشارع الأمريكي مما يقلق المحافظين وبوش معاً ، وإذا كانت ثمرة ذلك الحراك الشعبي لم تنضج بعد، فإنها لا بد آيلة إلى النضوج ، ولنا في نتائج حرب فيتنام المثل - الأمل، ونرى أن قادة البرابرة الجدد، لم يأخذوا منها العبرة والموعظة الكافية لردعهم قبل فوات الأوان .

من أخطر وأسوأ ما يواجه البشرية هي السياسات الذرائعية التي تمارسها دولة تمتلك أعظم وأكبر قوة على وجه الأرض، أن تدعي تأثرها بوجود مجموعات إرهابية على الجانب الآخر من الكرة الأرضية (هي خلقتها أساساً ) ، أو أن أمنها ومصالحها تتعرض للخطر جراء أبحاث دولة أخرى في مجالات علمية، دون أن تعترف هي بأمن ومصالح الآخرين، ثم دون أن تحدد حدود أمنها ومصالحها عبر العالم، وإذا كانت هذه الدولة لا تعترف بأمن الآخرين، ولا مصالحهم ، فهم بالمقابل لا يعترفون لها بما تدعي من حدود مصالح وأمن قومي يشمل العالم، ويبقى القول الفصل في إثبات ذلك على الطرفين هو القوة، وهي هنا غاشمة وتفرض على الجميع حق القوة وليس قوة الحق ، وتنتفي العدالة ، فتولد النقمة و... الانتقام ، الذي تسميه إرهاباً وتسمي الدول التي تدعم قوة الحق .. دولاً راعية للإرهاب .

عشية الذكرى الثالثة للعدوان البربري الأمريكي – البريطاني على العراق ، تشن القوات الأمريكية عدواناً شاملاً على مدينة آمنة هي سامراء ، والتي لم يعد فيها شيء يسر من يراه ، ... تستعيد القيادات الأمريكية عن طريق العملية مجريات المعارك السابقة وتسمياتها المضحكة ( المجتاح ... اسم على مسمى، والمجتاح بطبيعته عدو ومعتدٍ ) ، وتبدي إصراراً على إلحاق سامراء بالمدن الشهيدة الأخرى ، لتبقى شاهداً على بربرية العصر والانحطاط الخلقي للدولة " الأعظم " ، دون أن يجدي نفعاً صراخ المحتجين في الداخل والخارج الأوروبي ، ولا الصمت الرسمي العربي ، والعراقي أيضاً وكأن بيوت سامراء وأهلها ليسوا بعراقيين من أبناء جلدتهم ..!

تخرج في كل شوارع المدن العالمية تظاهرات الاحتجاج بصفوف منظمة، ولافتات تعبر عن مطالب هؤلاء المحتجين، تواكبهم الشرطة وهم يسيرون بهدوء مرددين شعاراتهم ومطالبهم، لا يلتفون إلى مؤسسات أو منشآت رسمية فيحطمونها، ولا إلى رجال الأمن والشرطة فيضربوهم، أو يقذفوهم بالحجارة، وأما نحن في العالم العربي ، ولأن الاحتقان هو سيد الموقف، فلا تظاهرات ولا احتجاجات، وكأن ما في داخلنا من الحضارة لا يستقيم مع هذا الفعل، وقد يتناقض معه على القاعدة التي ذكرى، لأن مجرد خروج الناس إلى الشوارع يستدعي تدخل أمن حفظ النظام، وقنابل الغاز المسيل للدموع والهراوات، ورشق الحجارة وتكبيل الأيدي، وشج الرؤوس، وسيل الدماء لينتهي الحراك بحرائق وخسائر مادية وبشرية ، ثم ليلقي كل طرف بالملامة على الطرف الآخر . الشعوب في عالمنا العربي لم تفقد إحساسها بالمذلة والمهانة على يد المعتدين الغرباء، لكنها تشعر بمذلة أكبر لمواقف حكوماتها وقياداتها، وما الاحتقان الذي تعانيه وتعبر عنه في تصرفاتها خلال التظاهر إلا نتيجة ذلك، وهي ..أي الشعوب إذ تنتظر اكتمال الحول، وقدوم الربيع، لتنعقد القمة ، فهي تنتظر أن تصحو النخوة في رأس كل القيادات فتعبر عن موقف حقيقي لهذه الشعوب ، لا أن تجامل القوى الكبرى وتكذب وتتكاذب وكأن الأمور بخير ، القمة القادمة تتوافق والذكرى الثالثة للعدوان على العراق الذي أسموه نفاقاً "تحرير العراق من الديكتاتورية " ، وقبل انعقاد هذه القمة تصر القوى المعتدية على إرسال رسالة تهديد جديدة ... عملية المجتاح ، والمزيد من التصريحات المحشوة بالكذب والنفاق و... الخداع، بعضهم يقول : هناك خطط للخروج من هذا المستنقع، وبعضهم يجاهر بالحقيقة : ... لن نخرج ، بشكل تام وسنبقي قوات وقواعد في العراق لأجل المحافظة على تدفق النفط ...( وكأن تدفق النفط مقرون بوجود القوات ) ، وآخر يقول إن الخروج السريع سيفسح المجال لسيطرة قوى أخرى على العراق ( ويقصد عودة الشرعية وهزيمة الأذناب والذين يستقوون بوجود المحتل ) ، وهكذا يتبنى في الغد القريب كل من قادة العرب مقولة ، فالبعض يقول: سيخرجون من العراق ... لا مصلحة لهم في البقاء ... هم صرحوا بذلك ..! وآخر يتبنى فكرة استمرار بعض القوات والقواعد، وهؤلاء هم العملاء من الداخل ، ومن يساندهم، والبعض يقول بضرورة البرمجة والتنسيق مع قوات الاحتلال، وآخرون يتجهون إلى التبرؤ من كل مسئولية فينادون بضرورة أن يكون القرار للعراق ( أي عراق ..؟) وهل يتاح لشعب العراق أن يقول كلمته..؟

نهر الدماء العراقية الذي لم يتوقف عن الجريان ، كفيل بأن يحرك المشاعر الميتة والمتبلدة ، حري بكل من لديه مشاعر إنسانية أن تتحرك ، الجنين الذي اقتربت ولادته من رحم العدوان هو غول جبار، .. وهم.. هم من يدفعون به إلى الوجود ..إنه شبح الحرب الأهلية المرعب ، والذين يقتلون أبناء العراق الأبرياء من كل الأطراف هم عملاء العدوان ، أشباح الاستخبارات والمرتزقة الذين استوردهم، أو استولدهم الاحتلال وأغلبهم من الموساد وأدواته، وما الزرقاوي ببعيد عن الشبهة ، ... القمة العربية مطالبة بموقف موحد وقرار جريء :... ليخرج المحتل ، وضمن برنامج قصير المدة دون الإصغاء إلى أقوال رامسفيلد وغيره، القمة العربية معنية بالأمن القومي العربي، وليس بالأمن القومي الأمريكي ، إن خروج المحتل يستتبعه خروج الأدوات التي تحتمي بوجوده، سيخرج عملاء الاستخبارات حيث ينكشف الغطاء عنهم، وحيث تنقذهم القوات الأمريكية والبريطانية كلما اعتقل أحدهم أفراد من الشعب العراقي، أو من بعض أفراد الشرطة الوطنيين ، لن يجرؤ عملاء الموساد على البقاء، ولا عملاء المركزية الأمريكية، ولا من يخدمها من الجنسيات الأخرى ، ولا حتى من حملة الجنسية المزدوجة ( العراقية – الأمريكية ) .. كل هؤلاء سيخرجون، بعدها تجدون أن الشعب العراقي، الذي يحمل المحبة والخير في قلوب أبنائه، قادر على ضبط أمنه، وإقامة حكومته وجيشه، ثم ليبدأ بناء ما خربه الاحتلال البغيض الآثم .

يثار الكثير من الحديث حول قوات عربية تتكفل بأمن العراق على أن تتجمع القوات الغريبة في أماكن محددة، ..! الشعب العراقي، ومعه كل شعوب العالم العربي تنظر بريبة إلى هذا الطرح، وترى أنه ليس أكثر من عملية شرعنة لبقاء الاحتلال، بل وتوفير الأمن والحماية له، ويرى أغلب من تصدوا بالتحليل لهذا الاحتمال، أن أية قوة عربية تقبل بذلك، ستجابه بموقف شعبي عراقي لا يبتعد عن الموقف من القوات الغربية، وسينظر العراقيون لها على أنها قوات معتدية ، القمة العربية مطالبة باستبعاد هذا الطرح، ولا تجوز مناقشته قبل خروج الاحتلال كلياً، ومن الأفضل أن يكون وجود قوات عربية بناء على طلب العراقيين أنفسهم بعد أن يمتلكوا حرية الاختيار ، ثم أن لا تكون القوات من دول مجاورة ،... هذا ما يطرحه الكثير من أبناء الشعب العراقي في الداخل والخارج ، العراق المتحرر قادر على إدارة نفسه بنفسه، والمعونة الواجب تقديمها للعراقيين هي الدعم المعنوي والمادي، ووقف التدخل بشئونه من قبل جميع الأطراف .

سنوات عجاف ... ثلاث ، كافية ، ويجب أن لا يضاف لها أخريات ، كفى شعب العراق معاناة ، فقد بكى الحجر، والشجر على أرض العراق، ودفع أبناؤه أكثر من ضريبة الدم ، رحمة بالعراق وشعبه، ورحمة بالشعوب في كل العالم العربي ، لتتخذ القمة العربية ولو لمرة واحدة قراراً يسجله التاريخ دفاعاً عن الكرامة والحق المهدوران على الدوام .