"إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية، وعلى مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق هذا الهدف وتشكيل هيئة وطنية(...) مهمة الهيئة دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية(...)".

ورد هذا المقطع في بند "إلغاء الطائفية السياسية" في اتفاق الطائف الذي وُقع عام 1989 في مدينة الطائف بالسعودية. وقد تحول الاتفاق إلى مرجعية أولى يستمد منها اللبنانيون وفاقهم الوطني بعد الحرب الأهلية الطاحنة، ولكن مع وقف التنفيذ، إذ طبق حكم إهمال وتناسٍ بحقه في ظل وصاية سورية سعت دائماً لتحويل الدولة اللبنانية محافظة داخل الجمهورية العربية السورية.

بعد اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري عاد الاتفاق من غياهب سجون السياسة السورية ليرسخ في أذهان قادة الاستقلال وليستقر في البيانات والنصوص.

وحزمت المعارضة اللبنانية مواقفها مطالبة بالعودة إلى قارب بنود اتفاق الطائف أملاً بالوصول إلى شاطىء أمان تحقيق الاستقرار اللبناني الكامل والاتفاق على كيان موحد.

بعد اقل من عام على انسحاب الجيش السوري من لبنان وعلى استعصاء معالجة تشعب أجهزة الاستخبارات في جسم الجمهورية المنهك، وبعد أعوام على صراعات داخلية لمصلحة الخارج والداخل وعلى تضارب الأهداف الدولية لحساب الخارج والداخل أيضا، بادر الرئيس نبيه بري بالدعوة إلى مؤتمر للحوار من صنع لبناني بامتياز. هدفه العريض حل المواضيع الخلافية بين الأقطاب. بنوده متعددة، معقدة ومتداخلة تناقش بين فرقاء جلسوا وحدهم على الطاولة للمرة الأولى منذ الطائف دون أي تدخل أجنبي مباشر.

وقد كرس هؤلاء القادة، زعماء الطوائف الكبرى في لبنان، بتحلقهم حول المواد المختلفين عليها، فسيفساء طائفية على شاكلة نظام الفيديراليات. وقد تناسى الداعون إلى الحوار وجود فئة ليست بقليلة من اللبنانيين لم تنل حق التشاور والتمثيل في هذه المبادرة. فلم يلفت المتحاورون أيضا الانتباه لضرورة تواجد حلفاء علمانيين أسسوا معهم منذ سنة ونيف جبهات متعددة.

اخطأ فريق 14 آذار بالتحديد، وهو ما زال يناضل لإنجاز الاستقلال اللبناني، باستبعاد محركي الانتفاضة العلمانيين من "حركة اليسار الديموقراطي" إلى مجموعات أخرى أضفت على مكونات الانتفاضة الطائفية نوعاً من التوازن ونمطاً جديداً من التعاطي مع كيان لبناني مفتوح الهوية.

وهنا يلفتني تذكير هذا الفريق كيف انطلقت الشرارة من المثقف العضوي العلماني الشهيد سمير قصير الذي أزهر ربيع بيروت بحيازته على الأدوار الأولى في هندسة الاستقلال اللبناني وقد حياه النائب وليد جنبلاط في إحد اللقاءات المسجلة قائلاً: لذكرى سمير قصير.... أبي الانتفاضة.

إضافة إلى العامل الاستبعادي للقوة العلمانية، وبما أن هدف المحاورين هو التوصل إلى قواسم مشتركة وحلول جدية وحقيقية للمسائل المتصلة بمصير الوطن والدولة، وبما أن الحرص الثابت الجامع أن يظل نطاق هذا الحوار الوطني سقفه الدائم وثيقة الوفاق الوطني، أهمل الداعون فرصة للبدء بطرح بند "إلغاء الطائفية السياسية" للنقاش ففاتت بذلك على اللبنانيين فرصة تاريخية للانتقال من مزرعة الطوائف إلى وطن يسير على طريق نظام علماني ديموقراطي، يسمح للجميع بممارسة معتقداتهم بحرية تامة في ظل قوانين مدنية خارجة عن سلطة رجال الدين وعن سلاح الزعامات المناطقية والطائفية. إن قيامة الدولة لا تقبل إلا بتمتعها بسلطة وسيادة على ترابها الوطني كاملاً وهذا لا يقبل استثناء فئات قدمت من دمها وجهدها ما يكفي لاستحواذها على صك الوجود حول الطاولات.

إن قيامتها تستوجب تحديد هويتها ومعالجة مشكلة الطائفية التي لا تنفك عن تمزيق المجتمع اللبناني وتشتيته إلى ولاءات مختلفة.

فلن تستعمل السكة الصحيحة في تاريخ لبنان الحديث طالما أن فئة ومشكلة تستبعدان وطالما أن النتائج لن تنقلنا إلى مرحلة جديدة تكرس مبدأ "أن لبنان وطن محدد يعترف بكل أبنائه".