محمــــد ح. الحـــــاج

أي حزب نريــــــــــــد ...؟ أية ديمقراطية نريـــــد ...؟ أزمة حزب ، أم أزمة أمــــة ...؟ أزمة حزب ، أم أزمة تنظيم ...؟ بالمحصلة ، كلها أسئلة مشروعة ، والأجوبة عليها كثيرة ، بعضها مشوهة، بعضها ملغومة ، أكثرها موجهة، جلها منقوصة ، وتبقى الحقيقة الغائبة ، إنها أزمتنا جميعاً ، كأفراد، كشخصيات اعتبارية، كمؤسسات كمسئولين ، وستستمر التساؤلات ، ويبقى الحل في عالم الغيب .... مفقود ، ولكن إلى متى ..؟.

نريد حزباً على قياسنا ، على قياس كل المفاهيم المتجذرة في نفوسنا على اختلاف تربيتنا ، بيئتنا ، تقاليدنا ، كل شيء فينا، عدا فهمنا لعقيدة هذا الحزب أو نظامه ، أو دستوره، أو حتى غايته وأهدافه النبيلة، طبعاً ليس الجميع – حتى لا أكون ظالماً – وإنما أغلبية ، وقد تكون هذه الأغلبية مسيطرة على مفاصل كثيرة ، وهنا ينبري لها البعض قاصداً التصحيح ، ومحاولة استدراك الخطأ ، ولكن ... ليرتكب خطأً أكبر بخروجه أيضاً على النظام وبالتالي يتساوى مع الذين هم موضع النقد بالأساس .

البعض، وهم ليسوا قلة، يريدون حزباً يضعون هم خططه، يعينون الرؤساء، والعمداء، ... يعطوا رتبة الأمانة، ويضعوا السياسات العامة للحزب، هؤلاء لا يؤمنون بالمؤسسات، بل يهاجمونها، يقولون بالخروج من حزب المؤسسات... إلى الحزب ( أي حزب ..؟ ) ،.. الحزب الذي يريدونه، والذي وصفت جانباً من رؤيتهم له، وذلك طبقاً لادعاء بممارسة الديمقراطية التي لا تكون ديمقراطية بمفهوم هؤلاء إلا إذا كانوا هم واضعي أساسيات السلوك الخاص بها، عاملين على إلغاء الآخرين ، وبذلك يمارسون نفس الديمقراطية التي يمارسها الآخر المتهم بالخروج على الديمقراطية في الحزب، القلة تدرك كيف تكون الديمقراطية، والقلة شبه متغيبة، أو مغيبة .. لا فرق .

الديمقراطية ، ثقافة، وسلوك، وليست قوانين أو مراسيم تصدر وتنشر، هي قبول بالرأي الآخر، وقبول بالمشاركة في الحقوق والواجبات، وهي انصياع الأقلية للأكثرية، وهي تغليب المصلحة القومية ... مصلحة الأمة والوطن على مجموع المصالح الخاصة، وإذا كان ذلك كله يندرج في مفاهيم النهضة ومبادئها وسلوكها فما الحاجة لإضافة كلمة الديمقراطية إلى يافطة جديدة ..! – هل لاختطاف تمثيل الحزب أم لإنجاز ما يسمونه تطويراً ( فارغاً من المضمون)..؟ الصحيح أنه لمجرد الظهور والإيحاء بأن انبثاق فجر قيادة جديدة، وبعقلية جديدة أصبح متاحاً ، وأصبحنا قاب قوسين أو أدنى من تحقيق أغراض النهضة وطموحاتها ..!! الحقيقة غير ذلك ، والقوميون الاجتماعيون أكثر إدراكاً من أن تنطلي عليهم هذه اللعبة المكشوفة والمتواضعة ، وأنها مجرد محاولة للقفز إلى المقدمة ، وقد لا يكون حصان المقدمة أكثر أصالة ليوجه عربة الحزب والأمة إلى محطة السلامة والأمان ، والنصر الذي نعمل له .

الديمقراطية بالمفهوم الأمريكي الحديث ، أسوأ بكثير من أية ديكتاتورية عالمية عانت منها الشعوب، الديمقراطية الحالية، هي ديكتاتورية من نوع حديث ، الديكتاتورية القديمة كان سلاحها القمع وتزوير الإرادات، والنتائج، ولكن ضمن ساحتها فقط دون التطاول على الآخرين ، ربما في حالات نادرة ..، الديمقراطية – الديكتاتورية الحديثة سلاحها خداع شارعها الداخلي، ومحاولة سلب قراره والخروج على إرادته، وقمع الآخر، بل الآخرين على ساحة العالم تحت راية ديمقراطية أدواتها الحذاء العسكري الثقيل والبوارج وحاملات الطائرات وصواريخ كروز ، البعض مأخوذ بهذه الديمقراطية مع أنها انحدرت إلى الدرك الأسفل أخلاقياً فهي تلجأ إلى الكذب ، والتزوير ، واستراق السمع حتى على المواطن الذي تدعي أنها تعمل من أجل توفير الأمن والسلام له ، بطريقة ديمقراطية..!

الديمقراطية الأوروبية ( الفرنسية حصراً ) كانت مضرب المثل، وشكلت القدوة التي يطمح الكثير من قادة النضال العالمي أن تتحقق ، حتى هذه تبقى صالحة للتطبيق محلياً ولا يستطيع الفرنسي ( صاحب القرار ) أن يطبقها على الآخر . فالآخر موضع شبهة، أو مستهدف بأطماع الموقع أو الثروة، أو أنه في موقع المنافس ، فرنسا هذه لم تكن ديمقراطية في المناطق التي استعمرتها وهي قد زجت بقادة النضال الوطني في السجون أو أقصتهم إلى المنافي، كما قتلت الكثير منهم ، وعلى ذلك فالغالبية ترى أن لكل تجمع إنساني ما يناسبه من الديمقراطية، تتوافق عليها الأغلبية ويكون الالتزام بها شاملاً ، ويبقى الخروج على مثل هذا الشكل من الديمقراطية مندرجاً في قراءة المصالح الفردية، أو الخروج على إجماع، وأسوأ الخروج هو على الإجماع الوطني، الذي يحقق مصالح الأمة .

الأزمة ،.. أزمة حزب فعلاً، ولكنها أزمة أمة بالمحصلة ،.. أوليس هو حزب الأمة، وحملة راية النهضة في هذا الحزب ..، أليسوا من أبنائها ..؟ الأمة مأزومة بكل ما فيها، بأحزابها، بالعقليات التي تقود هذه الأحزاب، بقصور التفكير وابتعاده عن الهدف الحقيقي لينصب جل اهتمام البعض على المصالح الآنية، الشخصية ، ضيقة الأفق ، والأمة مأزومة بثرواتها التي هي موضع أطماع الغرباء ، ونهب الناهبين من الأبناء، وتواطؤ البعض، وانهزامية البعض ، وانعدام الحس بالكرامة الوطنية عند البعض ، ويبقى أن كل ذلك ممكن إصلاحه وتجاوزه إذا خلصت النوايا وطبقنا ما نقول به على أنه إيمان ، وليس اقتصار الأمر على القول ، ... والعمل باتجاه مغاير ومناقض. على ساحة لبنان ، العلمانية مكتومة الأنفاس ، والطائفية تتمدد وتستشري في كل الجوانب، المال السياسي يشتري الضمائر والأصوات .. هل هي الحاجة ..؟ أم هو الجشع..؟ والاحتمال أن كليهما أمر وارد .. وواقع ، لكن ما الذي أوصل الأمة إلى هذا الحال من العوز والفقر والاندفاع باتجاه الخروج على أبسط مبادئ الاعتزاز الوطني والحفاظ على الكرامة ..؟ ليصبح الانتماء إلى القبيلة ، والعشيرة، والمذهب هو الأول وبعد ذلك الطوفان ..! أم هي القاعدة التي كنا نحاربها ونعمل للقضاء عليها..؟ ليكون بعدها الخروج من نفق الجهالة والهويات البدائية ..!!

على ذكر الديمقراطية ، قرأت توضيحاً للرفيق الأمين مروان فارس يقول فيه : لم يوضع علينا فيتو، ولا يمكن لأحد أن يضع مثل هذا الفيتو ليمنعنا من المشاركة في طاولة الحوار ..! - كيف يمكن القبول بهذا التوضيح وأنا سمعت ، وتابعت مذيعة فضائية لبنانية تسأل أكرم شهيب عن مشاركة القومي والبعث والناصريين فأجابها : مشاركتهم غير مطلوبة ، ولن نوافق ، بل سنعترض على دعوتهم ...!!! ومع انكشاف ما سمي ملابسات التمثيل وتأخر الاتفاق على ممثل للمجموعة، وبالتالي ، تم فعلاً استبعاد الجميع . نقول أنها ديمقراطية من النوع اللبناني ، والكل يتغنى بمثل هذه الديمقراطية .

الأزمة هي أزمة حزب، وأزمة تنظيم، فالحزب الذي لا يصل بأفراده إلى قمة الالتزام وفهم الفكر وتطبيقه، يكون قد فشل تنظيمه بنسبة ما، والذي يلاحظه الجميع على أرض الواقع هو خروج البعض على النظام بعد أن رقدوا طويلاً، أي:

بعد أن أعطوا لأنفسهم استراحة طويلة من أي التزام حزبي، وأكثر الذين تعلو أصواتهم بالنقد والتهجم هم من هذا الصنف، ومن الذين لم يعانوا المرارة والعذاب يوم كان مجرد النطق بكلمة تشير إلى هوية الفرد كافية لإدراجه على القوائم السوداء ، ومحاربته بكل السبل، حتى بلقمة العيش، والبعض الآخر يحاول استعادة نشاطه بعد أن شعر بأمان كان يفتقر إليه..! ومع محاولة استعادة النشاط يطفح كيل الطموح ويعتقد أنه يجب أن يكون في الصفوف الأولى ، وعند أول انعطافة حادة يخرج عن المسار ويبدأ بشن هجومه لأن الأمور لم تتبع المسار الذي ينتظره، أو يعتقد أنه الصواب ولو رأى عكس ذلك الغالبية ، وجميع هؤلاء وأمثالهم هم من الخارجين على النظام، وأيضاً من الحانثين بالقسم ولو جزئياً ، فالذي يعلن حربه على القيادات الحزبية والمؤسسات على العلن ( خرج على النظام، وحنث بالقسم، وليراجع هؤلاء النظام الداخلي والدستور ) ، وأثق كما يعلم الكثيرون أن الأكثرية من الذين يشنون حروبهم اليوم هم من خارج الصفوف ومن الذين قطعوا صلاتهم بالتنظيم والصف الحزبي، وأيضاً من الذين يمتنعون ومنذ زمن طويل عن تأدية أقل واجب يترتب عليهم وهو رسم الاشتراك ( أقولها دون خجل، ولا مراعاة لخواطر أحد، وأعلم أن كثيرين اقترضوا من صناديق الوحدات الحزبية، وامتنعوا عن التسديد وعند المطالبة يقولون : اعملوا ما بيدكم ، بلطوا البحر .. ) هؤلاء هم الأشد قسوة في هجومهم على القيادات، لا بل هم ... الأفصح .

الحزب القومي ، مثله كمثل باقي أحزاب الأمة ، أفراده من هذا المجتمع، وقد كان يمكن الرهان في زمن (ربما فات أوانه) على مثالية هؤلاء الأفراد ومقدرتهم على التضحية والعطاء، ... اليوم نفتقد هذه المثالية، ونفتقد الروح الانضباطية – النظامية، ونفتقد ضمير المحاكمة لدى الفرد، الضمير الذي يشكل الرادع عن كل الممارسات المستهجنة والتي تخرج بهذا الفرد عن نظاميته، وتجعله يحنث بقسمه دون أن يتذكر مفردات هذا القسم ..! قد يتهمني البعض بالمبالغة...! ربما ، لكنني أدعو هؤلاء إلى استذكار هذه المفردات ومقارنتها مع واقع السلوك اليومي لهم ..!.

قبل أن يتهمني أحد بأنني أقوم بالتسويق لجهة ما ، أؤكد أنني لا ألتزم بطرف، ولا أعترف بأن في الحزب أطرافاً، أو محاور، ولا أرى في نفسي أقل ندية من أي من القيادات، ... وقد لا أكون في غاية الرضا عن كل ما تفعله بعض القيادات، لكنني بالمقابل لا أحبذ السلوك المتبع حالياً للبعض في عملية الانزواء و ( الحرد ) وإقصاء نفسه عن المشاركة في كل عمل أو نشاط ، ولا حتى إسماع صوته في الحوارات الداخلية للحزب، والتي تشكل المكان الأصلح لمناقشة كل المشاكل وبالصوت العالي، وليس عبر النشرات أو الصفحات الصفراء، أو الإذاعات وغيرها ، وقد لا يقرأ كثيرون ما يتم نشره، أو يستمعون لقوله، على قاعدة أن الإعلام الحديث يمكن الفرد من تصوير نفسه جماعة كبيرة دون أن يكون متاحاً للآخرين التثبت من هذا الادعاء وللمثال فإن هناك من يصدر نشرات وبيانات باسم القوميين في كذا ..... وهو مجرد فرد، ولديه صوت سيده ..أي: تابع .

الذين يقولون بأن الحزب يعاني من أزمة تنظيم..! نقول : نعم ، ولكن بسبب تحلل بعض الأفراد من التزام النظام، وها نحن وكما قال مسئول شامي كبير : من يتابع بيانات القوميين يتأكد له أنهم أصبحوا أربعة مجموعات.... لا بل وأنا القائل :

أصبحنا كرفقائنا في الحزب الشيوعي خمسة : حزب المركز – والانتفاضة (وأتساءل عن مغزى التسمية وهل تكون الانتفاضة إلا بوجه عدو ..؟ ) والديمقراطي ..! وحديثاً الغد ..! وقبله لجنة التعاقد القومي ..! وبعد كل هذه الصراحة لا أرى أن أحداً على حق، ولا أعتقد بصدقية من يصرخ متباكياً على مصير الحزب بعد أن تجاوز مرحلة النضج والشباب ، من يرغب حقا بالعمل على استعادة الحزب لدوره على ساحة الأمة ، وخصوصاً في مثل هذه الظروف ، من كل المجموعات، عليه أن يدعو إلى حوار شامل ، يتبناه المركز ولا يستثنى منه حتى فرد يدعي أنه يمثل تيار ، ( هذا الحوار نطرحه على الآخرين من أحزاب أخرى، فيسألوننا هل تجاوزتم الحوار الداخلي المفترض فيما بين فصائلكم ..؟ ) ومن يرغب بالاطلاع على موضوع الحوار الوطني ... ضرورات وآفاق .

يجد النص منشورًا على موقع الحزب . وشرط الحوار الأساس أن يكون لدى الجميع تصميم واحد على إصلاح جذري، دون أغراض جانبية ومنافع شخصية، وأن يكون القرار للأغلبية ( على أن تتجاوز نسبة يتفق عليها .. لا أقل من 66% ) وبعد ذلك ليذهب من يخرق النظام إلى مصيره، أما من لديه رغبة في الاستقلالية بعيداً عن القرار الجماعي فليكن، ولكن على أن لا يرفع يافطة الحزب ويدعي تمثيله ببضع عشرات وغايته ليست نهضة الأمة ولا الحفاظ على المبادئ ... غايته أن يرتفع على كرسي ... ربما بعجلات ، وتكون زحلقته ... سهلة . آن الأوان لتصب الأسئلة في محاورها الحقيقية ، آن لكلمة القوميين أن تجتمع، وآن لنا أن نتأمل طويلاً إلى أين نتجه، وصوب أية هاوية نجر الحزب وراءنا .