لا بد أننا نشعر جميعاً بأن الهدوء السائد في الأسابيع الأخيرة على صعيد علاقات سورية الإقليمية والدولية، هدوء مريب.....منذ أشهر معدودة وقفت حرب شرسة قاب قوسين أو أدنى من حدود العسكرة، تدور رحاها بين سورية وبين أطراف إقليمية وأخرى دولية داعمة لها...

اليوم يمر تقرير براميرتز مرور النهر الهادئ، لكنه نهر عميق، والخشية من الغرق، فالمثل الشعبي يقول: "لا تخشى إلا من الماء الراكدة"....إذ أن عدة مشاهد في المنطقة تدل على أن الركود القائم راهناً، قد يكون الهدوء الذي يسبق العاصفة......لكن كيف ولماذا؟......كي نفهم ذلك لا بد لنا من تحليل لوحة التطورات الأخيرة في المنطقة تحليلاً دقيقاً، فقد نجد معانٍ أخرى تستحق التوقف عندها طويلاً.....

صراع العصبتين.... هذا ما نزعم أنه يحدث اليوم في منطقتنا،....صراع بين عصبتين، الأولى تتمثل في المحور السوري الإيراني بأوراق قوته المعروفة، في لبنان وفلسطين والعراق، والثانية تتمثل في المحور الأوروبي الأمريكي الإسرائيلي، بقوته العسكرية والاقتصادية المعروفة أيضاً،....

وما يحدث اليوم، هو أن العصبة الثانية تتبع خيار استراتيجي يقوم على سلب أوراق قوة المحور السوري الإيراني،....كيف يتم ذلك؟.....

من يدقق جيداً في التوازنات التي تحكم المنطقة، يعرف تماماً أن أوراق قوة المحور السوري الإيراني الأكثر فاعلية وتأثيراً، هي قوى المقاومة الإسلامية في لبنان )حزب الله)، وفي فلسطين (حماس بالدرجة الأولى، ثم الجهاد الإسلامي بالدرجة الثانية )، والقوى الإسلامية الشيعية والسنية في العراق، واليوم تعمل أمريكا بالتعاون مع فرنسا وبريطانيا، على سلب طهران ودمشق، أوراق قوتهما المذكورة آنفاً......

ويتم ذلك عبر ثلاث محاور:

المحور الأول.....حركة حماس والفوز المريب.... حينما اكتسحت حركة حماس انتخابات التشريعي الفلسطيني، لتسيطر على غالبية مقاعده، هلل البعض فرحين، مصورين الأمر على أنه صاعقة هبطت على رؤوس الأمريكيين والأوروبيين والإسرائيليين، وانقسم المهللون لصدمة الغرب المتحالف مع تل أبيب، بين متفائل بمستقبل حماس بعد الفوز الساحق، وبين متشائم بهذا المستقبل، في حين اصطفت نخبة من المراقبين في جانب آخر، لتقرأ معاني هذا الفوز بطريقة أخرى....

هل يمكن أن تكون تل أبيب وواشنطن وعواصم القرار الأوروبي الفاعلة من السذاجة، كي يؤمنوا باستطلاعات الرأي الفلسطينية التي أكدت أن محمود عباس وحركته ( فتح ( تحتل المرتبة الأولى في انتخابات التشريعي الفلسطيني؟، والسؤال الأهم: إن استطلاعات الرأي التي أجريت قبل الانتخابات أكدت أن حماس، لن تفوز بالغالبية، لكنها ستحصد من المقاعد ما يمكنها من المشاركة في صنع القرار مع محمود عباس وحركته (فتح)، إذاً، لماذا سمحت واشنطن بمشاركة حماس؟، ألم تكن تخشى من أن تخيب استطلاعات الرأي فتحقق حماس المعجزة وتفوز بالغالبية، وهم – أي الأمريكيون- أدرى الناس بكثرة الخيبات التي تقع بها استطلاعات الرأي الأمريكية عادة، قبيل التجارب الانتخابية؟....، وإن كانت إسرائيل قد بدأت في المراحل السابقة للانتخابات الفلسطينية، تقوم بخطوات لإعاقة مشاركة حماس، لماذا لم تعطيها واشنطن الضوء الأخضر لتذهب إلى أبعد الحدود في ذلك؟، لماذا سمحت واشنطن لمحمود عباس بإشراك حماس في الانتخابات؟،....دعماً للديمقراطية في المنطقة؟!......طبعاً لا....ألا يمكن أن يكون في الأمر مكيد......ربما، فحماس باتت بعد الفوز، في موقع رتب عليها التزامات، وخلق أمامها معطيات، لم يسبق لها أن تعاملت معها، فقد باتت حماس اليوم سلطة وليست معارضة، سلطة تمثل الشعب الفلسطيني، وتقود مؤسسات كيانه الناشئ، سلطة عليها أن تؤمن احتياجات هذا الشعب المعاشية، وأن تحل مشكلاته اليومية، سلطة عليها أن تتحمل مسؤولية أي ضرر يلحق بهذا الشعب، وليست مقاومة تنشط من حين لآخر وفق حسابات أخرى تماماً.......أي أن حماس ما عادت قادرة على المجازفة بمواجهة شاملة مع تل أبيب، كما كانت تفعل سابقاً، فذلك سيخلق المبرر الكافي كي تدمر تأل أبيب كل بنى ومؤسسات الكيان الفلسطيني الناشئ، وأن تذيق الشعب الفلسطيني من أهوال اضطهادها وجبروتها،........

مؤخراً، عرضت الشرق الأوسط استطلاعاً للآراء يثبت أن 75 % من الفلسطينيين يؤيدون أن تخوض حماس تجربة المفاوضات مع إسرائيل، وهو ما يثبت ما كنا نرمي إليه سابقاً من معالم المكيدة، لقد تورطت حماس من حيث لا تدري في متاهة، ستؤدي نهايةً إلى إخراجها من ساحة المقاومة الفلسطينية،، وكما انقلبت فتح من حركة مقاومة إلى سلطة بيروقراطية مترعة بالفساد بعد مفاوضات أوسلو السرية، يُعتقد أن حماس ستخوض التجربة ذاتها، وإلا فإنها ستعرِّض الشعب الفلسطيني لوحشية الإسرائيليين، وستخسر ثقته بها،.....

وحينما نعلم أن قوى المقاومة الفلسطينية الفاعلة هما اثنتان: حماس، والجهاد الإسلامي، وأن الأولى سنية المذهب، تمثل غالبية الشعب الفلسطيني، أما الثانية فشيعية المذهب، تمثل شريحة ضيقة من هذا الشعب، فهذا يعني أن إسرائيل – ومن وراءها واشنطن- استطاعت أن تنزع سلاح حماس وأن تخرجها من ساحة المقاومة الفلسطينية، لتنفرد بحركة الجهاد الإسلامي الأقل قوة، والأضيق قاعدة، وبذلك تخسر دمشق وطهران، ورقتي قوة هامتين لهما على الساحة الفلسطينية........

مؤتمر الحوار اللبناني...والهدف حزب الله ولحود..... مؤتمر الحوار اللبناني المنعقد حالياً مثال آخر يؤكد فكرتنا بأن التحالف الأوروبي الأمريكي الإسرائيلي، يعمل على نزع أوراق قوة المحور السوري الإيراني، والتي يعد حزب الله ، ربما، أهمها،..... حسن نصر الله، أكد مراراً على الحوار، وعلى اعتماد آلية التوافق والإجماع على القضايا الوطنية الكبرى، كما أكد مراراً أن سلاح حزب الله لن يوجه للداخل أبداً، وأن الحزب يعمل فعلاً على تحقيق التوافق اللبناني، وحينما دعى نبيه بري إلى مؤتمر الحوار، لوحظ أن تحركاً عربياً (مصر، السعودية)، ودولياً ( فرنسا، أمريكا) لافتاً، قد بدأ يتحرك باتجاه رعاية المؤتمر وتأمين نجاحه، فالسؤال: ما هي غاية تلك الأطراف، وما هي الفوائد التي قد تحصدها من نجاح المؤتمر؟......

يمكن لنا إن دققنا في مواضيع الحوار، الأكثر أهمية والأكثر إشكالية، أن ندرك مرامي واشنطن وباريس من تحركهم لدعم نجاح المؤتمر......

إقالة لحود، علاقات تطبيعية ندية مع سورية، حل مشكلة مزارع شبعا، ومن ثم سلاح حزب الله....... وليد جنبلاط الذي غادر بيروت مقاطعاً المؤتمر باتجاه واشنطن، عاد إلى بيروت أكثر تصميمياً مما سبق، على إنجاح المؤتمر، رغم خطابه الإعلامي الحاد ضد سورية..... تحرك فرنسي باتجاه دمشق عبر السعودية –زيارة شيراك إلى الرياض- والغاية، حسب المصادر الإعلامية، الحصول على مساعدة سورية في إقالة لحود، مقابل هدنة على جبهة التحقيق الدولية...... سعد الحريري يعمل على جذب نصر الله وبري إلى جانبه، وجميع المشاركين يؤكدون على علاقات مميزة مع سورية، لكن ندية، ولحود يتلقى دعوات صريحة من مقربين – صهره إلياس المر – للتنحي عن السلطة، مناشداً عمه – الرئيس – بأن الداعمين له قد يغدرون به، في إشارة إلى سورية، فالتهدئة على جبهة التحقيق الدولية ليست دون مقابل، كما أن استقرار الوضع اللبناني وتأمين السلم الأهلي فيه، لن يكون ثمنه رخيصاً، فهو يتطلب تنازلات من مختلف الأطراف اللبنانية، ومن هذه الأطراف....حزب الله،.....

وما هو التنازل المطلوب منه؟.......سلاحه.....وهو ما يمر عبر حل مشكلة مزارع شبعا......

ومما يدلل على دقة هذا المسار، تأكيدات أخيرة لجيفري فيلتمان، السفير الأمريكي في بيروت، أنه في حال نجاح اللبنانيين في انتزاع ورقة سورية تثبت لبنانية المزارع، فإن واشنطن ستعمل جاهدة على حل هذه المشكلة عبر الأمم المتحدة....ماذا يعني ذلك؟...يعني تشميل المزارع بالقرار الدولي 425، الخاص بانسحاب إسرائيل من الجنوب اللبناني، وبالتالي إلزام إسرائيل، بدفع أمريكي، بالانسحاب من مزارع شبعا، ومن ثم، ربما، إعادة الأسرى اللبنانيين إلى حزب الله، مما يعني نزع حجج حسن نصر الله، وحصره في زاوية حرجة، تجعل خطابه القائم على تحرير المحتل من الأرض، وتحرير المأسور من البشر، خطاباً منتهي الصلاحية، وإن كان نصر الله قد حاول سابقاً التسلح بخطاب استباقي آخر، وهو أن سلاح حزب الله إنما غايته حماية لبنان من الاعتداءات الإسرائيلية، فإن هذا الخطاب لم يلقى تجاوباً كافياً في الشارع اللبناني، حيث تشعر الغالبية من اللبنانيين بأن سلاح حزب الله يخدم، ربما، جهات خارجية محسوبة على المحور السوري الإيراني، وهو ما سيعرض مصداقية وشعبية الحزب الداخلية لاهتزازات خطرة، تجعل نصر الله أمام خيارات صعبة، قد يختار أسلمها لأمنه الداخلي، وهو دمج ميليشياه المسلحة بالجيش اللبناني، وهو خيار سبق أن لمَّح الحزب بأنه مستعد للإقدام عليه، وبالتالي نشر الجيش اللبناني على الحدود، وإغلاق جبهة الجنوب اللبناني، وخسارة دمشق، والأهم، طهران، لورقة هامة في لبنان......

وهو ما قد يتبعه تنحية لرئيس الجمهورية بعد اتفاق مقبول على الخليفة المرجو، بين الأفرقاء اللبنانيين، بمشاركة سورية وإقليمية ودولية، وأياًَ كان هذا الخيار، الرئيس الجديد، ومهما كان مقبولاً من جانب سورية، إلا أنه يعني أن ورقة سورية جديدة قد باتت من الماضي.......

قنوات الاتصال الأمريكية مع المقاومة.....العراق هو الدائرة الثالثة.... في كانون الأول المنصرم، جاء تقرير ميليس الأخير أهدئ من المتوقع، يومها دلت الكثير من المؤشرات على أن دمشق تعاونت مع واشنطن بهدف تهدئة الأجواء العراقية من أجل إنجاح الانتخابات التشريعية العراقية، وعقب ذلك، بدأنا نسمع بقنوات تفاوض تم تدشينها بين الأمريكيين، والقوى السياسية السنية، ومنها جانب هام من قوى المقاومة، واليوم بتنا نسمع القوى السنية تلك، تطالب ببقاء المحتل الأمريكي في الوقت الراهن، خشية انفلات زمام الفتنة الطائفية، التي بدت بوادر اندلاعها على وشك الوقوع، في تفجيرات سامراء الدامية، ومؤخراً بتنا نسمع أيضاً بأن قوى عشائرية سنية عراقية، بدأت تشارك الأمريكيين حربهم ضد الزرقاوي وجماعته، مما يعني أن الأمريكيين حققوا اختراقاً هاماً للجانب السني في العراق عبر بوابة دمشق، وربما يكون هذا الاختراق، قد ولد إحساساً لدى القوى السنية العراقية بأن التعاون مع الأمريكيين يؤمن مصالحهم في مواجهة القوى الشيعية المسيطرة على الوضع العراقي بدعم إيراني.......

فهل تكون تلك بداية انقلاب في الساحة العراقية ليصبح السنة حلفاء لواشنطن...أي خسارة سورية لورقة قوة هامة في العراق.....

ومؤخراً أيضاً، بدأنا نسمع عن مساعي بريطانية لفتح قنوات تفاهم إيرانية أمريكية حول العراق، فهل يعني ذلك أن الأمريكيين يكررون اللعبة ذاتها، لكن هذه المرة مع طهران، على أمل أن يحققوا اختراقاً للقوى الشيعية العراقية، إيرانية الهوى، علَّها تعطر نفسها بميل أمريكي، فينشد جانب منها إلى الجانب الأمريكي، فتخسر إيران جزءاً كبيراً من ورقة قوتها الكبرى في العراق.....قد يكون ذلك ممكناً.......

تقرير براميرتز.....الماء الراكدة..... كان التقرير الأول للمحقق الدولي الجديد، البلجيكي سيرج براميرتز، هادئاً للغاية تجاه سورية، لكنه في الوقت نفسه كان – حسبما علق محللون سوريون عبر سيريا نيوز – حقل ألغام، لا يحتاج إلا إلى فتيل للانفجار، ليستهدف سورية تحديداً.

براميرتز تحدث عن خطوط جديدة للتحقيق دون أن يتخلى عن الخطوط السابقة، ورغم أنه لم ينتهج النهج الإعلامي لسلفه، إلا أنه لم يتخلى عن فرضياته، كما أنه تحدث عن مؤشرات تعاون سوري، دون أن يجزم بالأمر، تاركاً ذلك للمستقبل.....؟!

الخلاصة....

لا يمكن لأحد أن يعتقد أن أمريكا قد تهزم بسهولة، فمصالحها في المنطقة تتناول مصيرها كدولة عظمى، وليس لنا أن نتصور أيضاً أن أمريكا ستتخلى بسهولة عن ورطة التحقيق الدولي التي حاكتها ببراعة ضد سورية....وإن كانت واشنطن قد فشلت عبر استراتيجيتها السابقة للضغط على سورية خلال العام الماضي، وذلك بسبب أوراق القوة السورية التي جعلت واشنطن تتريث خشية الفوضى غير البناءة...فإن سورية دون أوراق قوة ستكون دون شك، لقمة سائغة للغاية، يمكن لواشنطن أن تلتهمها.....

الحقيقة، أرجو أن يكون كل ما كتبته سابقاًً، قراءة في غير مكانها، لكن أليس من الواجب علينا أن نحذر وأن نتحلى ببعض التشاؤم – ربما -، أفضل من أن يوقعنا تفاؤلنا المبالغ فيه أحياناً، في ورطة أخرى كورطة التحقيق الدولي واغتيال الحريري، في وقت نكيل فيه المديح لمهنية المحقق الدولي سيرج براميرتز.......