يشكو جاري الكبير أنيس منصور باستمرار من قلة النوم. وكانت آخر شكوى أمس الأول بعنوان «مطلوب وصفة لكي أنام نومة كلاب». وأنا أشكو، والحمد لله، من كثرة النوم وشدة الغطيط. ومثل نابوليون، أنام على أي كرسي أو أي مقعد. وأغفو قبل أن تقلع الطائرة وأفيق بعد أن تهبط. وفي سنوات ركوب القطار من مدينة إلى مدينة ومن نفق طويل إلى نفق أطول، كانت تفوتني المحطات فأصحو في باريس بدل البندقية. وقد ذهبت خلال زيارتي الأخيرة إلى لندن إلى طبيب صديق وشكوت له كثرة النوم، فلم يلتفت إليّّ ولم يرفع رأسه عن الطاولة، بل أكمل قراءة أوراقه وهو يقول: «هنيئاً». ولم يتمهل كي أخبره أنني أحيانا أنام في العاشرة مساء وأصحو في العاشرة صباحاً. ولا أخبرته أن طبيب الأسنان في مونتريال أصيب بالخبل عندما رآني استسلم إلى النوم وأنا على كرسي كهربائي وجميع الحفارات تعمل في أسناني. وما أن انتهى وأفقت حتى اتصل بالقيّمين على كتاب «غينيس»، يبلغهم بما رأى.

على أن الفارق بين نابوليون وبيني أن الرجل كان ينام قليلاً ثم يقوم إلى امبراطوريته. وأنا أنام طويلاً ثم أقوم وأنا أردّد موال محمد عبد المطلب الشهير: «أنام وأنام وأنام تاني»! وبعض النوم راحة، أما كثرته فضياع وهباء وشعور بالذنب لما يفوت نائم بياض النهار. وأحاول أحيانا أن أفيق باكراً لكي أصل إلى القرية مع موعد شدو العصافير والبلابل. وأضع كرسياً تحت الشجرة واستعد لمتعة الإصغاء. وفيما تصدح فرقة الطيور سيمفونيتها، أنام. وفي حساب بسيط للوقت الذي أمضيه في المشي، وفي بعض غداء اجتماعي، وثم في زيارة قصيرة إلى المكتبة، اكتشف أن نهاري قصير، لأنني أتأخر في القيام. والأسوأ أنني أعود فأغفو باكراً أيضا. ويتكرر الشعور بالذنب. وذات مرة تعرفت إلى موظف كبير من مدينة صيدا عرّف بنفسه على انه من عائلة «النوّام»، فرحبت به قائلاً: أهلا بابن العم.

واعتقد أن كثرة النوم مثل قلته. أو أسوأ. والوصفة التي يطلبها الجار العزيز ليست عند أحد. فلا تصدّق مثلاً أن القهوة تؤرق. لأنني كلما أكثرت منها تسرعت غفوتي. والمنبهات مجرد أسطورة يروّجها أعداء صناعة الشاي وتجارة البن. ولا علاقة لراحة البال بالأرق ولا بالنعاس. فلا شك لدي أن راحة بالك في مثل راحة بالي. وما دمت تؤمن بالفلك وعلومه وحركته، فلا شك أن البعض مثلي يولد تحت برج النوم والتنبلة، والآخرين يولدون تحت برج الصحو. وختاماً ربما أنصحك بالمشي الكثير حتى التعب. فهو إذا لم ينفع في النوم ففيه فوائد أخرى. وفي حالات اليأس، ابلغني لكي أبعث إليك بمجموعة من القراءات المضمونة النتائج في النعاس. أما أخطارها الجانبية فهي أن المرء قد لا يفيق من بعضها. أو قد لا يشفى. حماك الله.