سأل السوري المعارض " النوفو ريش " أخاه الأكثر استعراضاً: في أي فندق حجز لنا عبد الحليم خدّام في مؤتمره المعادي للنظام القادم في بوركينا فاسو؟ أجاب: في فندق يا هلا بالحنان! ردّ المعارض السوري الذي خرج من جلده الماركسي قبل ثلاثة أسابيع: ما هذا البخل؟! حسام الديري أفضل منه! لقد حجز لي ولصديقتي سريراً مزدوجاً في فندق why not في قلب واشنطن! قال أخوه الحالي، رفيقه قبل ثلاثة أسابيع: لكن حسام الديري، على ذمة هيثم المنّاع – كلهم من درعا، مثل المغفور له محمود الزعبي – شفط كثيراً من أموال الرفيق الراحل إلى الرفيق الأعلى عديّ صدّام حسين!؟ أجاب الأخ-الرفيق باستغراب: ألم يشفط الخدّام سوريّا كلها plus آل الحريري؟

تدخل أم مفلح البدويّة من قرية المنصورة القريبة، تسأل بإلحاح عن سبب رفض وزارة الزراعة تعيين ابنتها الأرملة التي تعيل ثلاثة أطفال، عاملة مؤقتة ضمن القائمة التي جاءت في الأول من آذار! أقول لأم مفلح: لكنك تعلمين أن معاش المشتل لا يتجاوز بأحسن حال 5000 ليرة سوريّة؟ تجيب الخمسينيّة التي أرهقها غبار المنطقة والزمان والفقر: شيء أحسن من لا شيء. نحن لا نستطيع أن نشحذ! وأنت تعلم أن معظم العائلات في المنصورة تعيش بما يقل عن هذا المبلغ شهريّاً! أجبتها أني سأعمل المستحيل مع صديقي معاون وزير الزراعة الذي سبق ومدّ لي يد العون كثيراً في أمور مشابهة.

الأسر التي كانت غنيّة في سوريّا نادرة؛ بل إن تلك التي كانت تعتبر غنيّة، كبعض العوائل الإقطاعيّة على سبيل المثال، نادراً ما كانت ثروتها تتجاوز الأصفار الستة: الآن عشرات الأصفار لا تعني شيئاً عند كائن من نمط عبد الحليم خدّام، خرج من أسرة لا تعرف معنى الغنى، وتربّى في بلدة قد تكون من أفقر مناطق شرق المتوسط. عبد الحليم خدّام، كما نقل لي أحد الكهنة الموارنة البانياسيين، تسلّق بسرعة الصاروخ في وضع مناسب للغاية، ليصبح القطب السياسي، مع كل ما تعنيه هذه الكلمة من منافع ماديّة في أحد بلدان العالم الثالث. وصارت العائلة الخدّاميّة شلّة لصوص لا هم لها غير الإثراء على حساب الشعب. في بداية التسعينات، تعرّفت للمرّة الأولى على عمق الفساد المتفشّي في إمبراطوريّة خدّام حين التقيت بعضاً من صغار التجّار الدمشقيين الذين استوردوا زيوتاً من إحدى الدول خارج سوريّا. عرقل آل خدّام الصفقة من أجل تمرير صفقة خاصة بهم؛ ولمّا كانت نقود الزيت المستورد قد جمعت من ثلّة من الناس العاديين الذين كان همهم استثمار أموالهم في ما يمكن أن يعود عليهم بربح بسيط، أصيب هؤلاء بخسائر فادحة – قياساً على وضعهم المالي – دون أن يجرؤ أحد على الحديث عن هذه الفضيحة غير العاديّة. وهكذا، في بلد حيث معدّل دخل المهندس لا يتجاوز 150 دولاراً، خرج عبد الحليم خدّام من سوريّا بثروة تتجاوز مليارات الليرات السوريّة.

دُهش الدكتور غسّان رئيس الجمعيّة الخيريّة السوريّة، التي رفضت المساعدات التي عرضتها عليها لأنها أمريكيّة المصدر، حين أدخلته بيت عويّد حيث يعيش مع زوجته حمدة وأولاده الأربعة. عويّد المعاق، الذي أشحذ له الوظيفة المؤقتة في المشتل القريب، يعيش في غرفة بلا ماء ولا كهرباء ولا مجارير ولا مطبخ ولا تدفئة ولا فراش! قلت للدكتور غسّان: ماذا ستقول إذا رأيت والدة زوجته، أم عذاب؟ أخذت الرجل من يده، وذهبنا إلى أم عذاب، التي تعيش وحيدة في " خربوش " [ خيمة مصنوعة من الخرق البالية ] تلعب فيه الريح، في منطقة صحراوية جبليّة، يقص فيها البرد المسمار.

في السبعينات، قدمت مع مجموعة لا بأس بها من الباحثين الألمان الشبّان دراسة موثّقة، هامّة للغاية، حول الانفجار السكاني في سوريّا، ودور هذا الانفجار السكّاني في الأمراض الاجتماعيّة التي ستتفاقم بقوّة إذا لم تتم السيطرة عليه، لمكتب رئيس وزراء سوريّا الأسبق، محمود الزعبي. كانت الدراسة تتضمن مقارنة بين الوضع السكاني في كل من السويد وسوريّا، حيث لم يزد عدد سكان السويد، رغم كل الهجرات إلى البلد، عن حد مقبول بين الأعوام 1950 و1990؛ في حين تضاعف عدد سكان سوريا على نحو مخيف بين الأعوام تلك، رغم الهجرة من البلد، مع كل ما يستجرّه ذلك من استهلاك للماء والكهرباء والأراضي الزراعيّة ...! ثم قدمنا بعدها دراسة دقيقة حول دور السرافيس، التي كان أفراد بعينهم قد استوردوها، في تحويل دمشق إلى واحدة من أكثر مدن العالم تلوّثاً: ماذا كانت النتيجة؟ رأيت أحد المسئولين في مكتب تاجر من أصدقائي، سألته " لماذا لم يردّ الزعبي على ما قدّمنا إليه ؟" أجاب الرجل: وهل تعتقد أن أبا مفلح لديه الوقت كي يقرأ هكذا هذيان؟! وهل إذا قرأه سيفهمه؟

ذهبت مع خلف الضرير وابن عمه صبح إلى مكتب رئيس الوزراء – كان وقتها الآدمي، مصطفى ميرو من أجل محاولة توظيف خلف، الذي يتحفنا كل سنة بطفل جديد، في أحد المشاريع في المنطقة. اعتذروا في الوزارة عطرة السمعة من أنه لا يوجد شاغر! اتجهت إلى وزارة الشئون. أحالتنا وقتها الوزيرة إلى إحدى الجمعيّات الخيريّة في دوما، التي أحالتنا إلى جمعيّة ج الخيريّة. وبعد التي والليا، توصّل السادة القائمون إلى الحل التالي: يمكنهم تقديم مبلغ خمسمئة ليرة كل مدّة إلى خلف وزوجته وأولاده... لا تعليق!

كل يوم تقريباً تصلني رسائل من أشخاص يقولون إنهم يعملون في حقل المجتمع المدني وحقوق الإنسان، مفادها أن فلاناً أو فلانة سرقوا ما قدّم من الأوروبيين إلى العاملين في هذا الحقل من السوريين من أموال؛ في اليوم التالي تأتي الردود بأن هذا الطرف أو ذاك عميل للفرع الأمني الفلاني أو العلاني. وفي المقاهي التي تعج بالعاطلين عن العمل الذين يدعون " مثقفين "، لا نجد غير التصانيف القميئة للآخرين من أنهم إما عملاء محليين أو عملاء خارجيين. ثم يختم واحدهم حديثه بالقول، إنه محتار بين دعوة المغرب ودعوة مصر – أيهما الأفيد ماديّاً بالنسبة له؟

ترك محمد سوريّا بحثاً عن لقمة العيش؛ ومحمد، لمن لا يعلم، ابن لي بالتبني؛ محمد رئتي التي أتنفس بها هواء نظيفاً وأعيش بها حياة نظيفة وأهرب إليها حين يطاردني الآخرون بسكاكين زعيقهم الجارح. هاهي آلام السوريين تقتحم حتى منزلي الصغير المعزول، تنتزع منه محمد. كان محمد مرساتي حين أترك الوطن: الحبل السريّ الذي يعيدني إلى رحم دمشق كلما هربت منها في رحلة عمل أو علاج...

الانهيار الأخلاقي للشعب السوري: هل كانت جملة مبالغاً بها؟ لمن لا يصدّق، ليقرأ ما ينشر على الانترنت من روائع مثقفي وطن الحرف! إذا كانت النخبة على هذا النحو؟! ومتى كان في سوريّا نخبة!!