لا يشك أحد بالخبرات السياسية المتراكمة لأمين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى وبإلمامه الكبير بالملفات العربية والدولية وبقدرته على إدارة الأمانة العامة للجامعة وفق الإمكانات المتاحة له على خير وجه، وما يتمتع به من شعبية واسعة على الصعيد المصري، إلا أن ذلك لا يمنع الدول العربية التي أخذت معظمها ترفع شعار الإصلاح الديمقراطي داخل أنظمتها السياسية وداخل مؤسسات نظامها القومي، المتمثل بالجامعة العربية، من دمقرطة هذه الجامعة، بدءاً من تحديث طريقة اختيار أمينها العام، وانتهاءً بسائر إداراتها المنبثقة عنها، وذلك عن طريق إتاحة الفرصة لجميع الدول الأعضاء بترشيح من تراه مناسباً وكفؤاً من سياسييها لشغل المناصب القيادية في الجامعة، وطرح المرشحين للتصويت الانتخابي الحر للدول الأعضاء، بعيداً عن الاحتكار والضغوطات التي تمارس لتثبيت أو اختيار شخص بعينه، إذ أن من شأن الخيار الديمقراطي ونجاحه في مؤسسة العرب الموحدة، أن ينعكس إيجاباً ويمتد إلى سائر المواقع السياسية العربية.

فمع قرب انتهاء الولاية الأولى لأمين عام الجامعة عمرو موسى التي امتدت خمس سنوات، سارعت حكومة مصر إلى إعادة ترشيحه لولاية ثانية، سيتم النظر بها في قمة الخرطوم التي تنعقد بعد يومين، وعززت مصر اقتراحها بتوجيه الرئيس مبارك رسائل إلى قادة الدول العربية لتأييد الترشيح، مما قد يغلق الباب أمام أي مرشح آخر تقترحه إحدى الدول العربية الأعضاء، والتي لم يصدر عنها حتى الآن أي رد فعل إزاء موضوع التجديد للأمين العام وكأنه تحصيل حاصل، باستثناء الإمارات العربية التي تتحفظ على الترشيح والجزائر التي أعلن عبدالعزيز بلخادم الممثل الخاص لرئيسها، أن بلاده ترى أن قضية تداول منصب الأمانة العامة للجامعة، هي قضية ممارسة ديمقراطية لإصلاح الجامعة، ودعا إلى تدوير المنصب وعدم جعله حكراً على الدبلوماسيين من دول المقر دون سواها.

وسبق للجزائر أن طرحت ورقة جريئة بهذا الصدد قبل قمتها العربية في آذار العام الماضي، واعتبرتها مصر استهدافاً لريادتها في العالم العربي، مما أحدث نوعاً من التوتر بين البلدين، تخلله تبادل للحملات الصحفية والانتقادات المتبادلة، ثم جرى طي ملفه بسرعة حينها، حتى لا يؤثر على أجواء القمة. وخلافاً لمبدأ التداول الانتخابي الديمقراطي لمنصب الأمين العام للجامعة، فقد ظل المنصب حكراً على دولة المقر، وشغله خمسة أمناء من مصر منذ تأسيس الجامعة عام 1945 وحتى الآن، باستثناء فترة انتقال مقر الجامعة إلى تونس، في أعقاب تعليق عضوية مصر فيها، إثر توقيع الرئيس السادات اتفاقية سلام مع إسرائيل عام 1979 حيث شغل المنصب الشاذلي القليبي وهو أيضاً من دولة المقر المؤقت.

وهذا ما دعا الجزائر إلى المطالبة بتدوير المنصب وتحريره من الاحتكار، وهو مطلب حق، وله صوابيته التي تخدم التوجهات الإصلاحية للجامعة، فكما أن من حق مصر أن ترشح أحد دبلوماسييها، فكذلك فإن من حق كل دولة عربية أن يكون لها مرشحها، وأن يتم اقتراع الدول الأعضاء لأحد المرشحين، دون أن يقتصر الترشيح أو التزكية على مرشح دولة أخرى. فالديمقراطية كل لا يتجزأ، إذا سارت الدول العربية على نهجها، فلا بد من تطبيقها في جميع مؤسسات العمل العربي المشترك، بدءاً من مؤسسة القمة، ومروراً بالأمانة العامة للجامعة، وانتهاء بأصغر الإدارات التابعة لها، كما لا بد من انتهاج مبادئها على الصعيد القطري لكل دولة عربية، تحقيقاً لإنجاز الإصلاحات الجذرية على كل صعيد، والتي تحتاجها المجتمعات العربية ويتوق إليها المواطنون العرب في كل مكان.