د. فيصل القاسم

كان هناك ثلاثة رجال يتبارون فيما بينهم على لقب من هو الأسوأ؟ فقام الأول بالاعتداء على امرأة وضربها حتى سقطت أسنانها وبدأت تنزف من أنفها وأذنيها. ثم عاد وانهال عليها ضرباً بشكل مبرّح حتى أغمي عليها. وعندها صاح بأعلى صوته: أنا الأسوأ.

ثم جاء دور الرجل الثاني، فقام باغتصاب المرأة وأوسعها ضرباً حتى كادت أن تموت، وصاح قائلاً: لا أحد يستطيع منافستي، بل أنا الأسوأ.

أما الرجل الثالث، فقد تقدم من المرأة بهدوء ثم ابتسم قائلاً: في الواقع أنا أسوأكم لأنني جلست جانباً أتفرج على همجيتكما، فهذه المرأة هي أختي.

الممثلون حسب الظهور على الشاشة

المرأة هي: العراق

الرجل الأول: حكام العراق

الرجل الثاني: أمريكا

الرجل الثالث: العالم العربي

نحن العرب إذن لا نستحق العراق ولا غيره، ولو شاءت الظروف لربما ضحينا ببلد عربي تلو الآخر وألقينا به فريسة للمغتصبين وقطاع الطرق، لذلك علينا أن لا نتباكى على ضياع العراق وسقوطه تحت القبضة الإيرانية بعد أن راحت أمريكا تفاوض إيران لا العرب على مستقبله، فنحن الذين قدمناه للإيرانيين على طبق من ذهب، فالسياسة كالطبيعة لا تقبل بالفراغ، وإذا حدث فراغ ما فلا بد أن يملأه أحد، وهذا بالضبط ما فعلته إيران في العراق، فقد وجد الإيرانيون أن بلاد الرافدين أصبحت رزقاً سائباً ينهبه كل من حط بأرض العراق من أمريكيين وأوروبيين وإسرائيليين وحتى بنغاليين، باستثناء العرب طبعاً على اعتبار أنهم لا يتناولون لحماً إلا إذا كان مذبوحاً على الطريقة الإسلامية مع العلم أن العراق ذ ُبح أول ما ذ ُبح على الطريقة العربية قبل أن يُذبح على الطريقة الأمريكية، ، ولهذا لم يكن هناك مانع أبداً في أن يشارك العرب في وليمة التهام العراق. لكنهم أبوّا إلا أن يتركوا الذبيحة للآخرين. أما إيران فقد وجدت فتوى أخرى تحلل لها المشاركة في الوليمة. ولا اعتقد أنها جديرة باللوم أبداً، ففي عالم السياسة حلال على الشاطر وليذهب الأغبياء إلى مزبلة التاريخ، ناهيك عن أن الإيرانيين أولى بالعراق من اليانكي والإسرائيليين والنيباليين والفلبينيين والفيجيين وباقي شراذم الأرض؟

إن المتابكين على خسارة العراق كقطر عربي يجب أن يخرسوا على أقل تقدير، فدموعهم دموع تماسيح إلا ما ندر. وكفانا تعييراً للعراقيين بالانسلاخ عن أمتهم العربية والاتجاه شرقاً. ماذا تتوقع من شعب شارك العرب في ذبحه من الوريد إلى الوريد وكانوا سباقين إلى التآمر عليه وحصاره ومنع حتى أقلام الرصاص عن تلاميذه؟ هل تريد من ذلك الشعب أن يهتف باسم العروبة ويصيح: أمجاد يا عرب أمجاد، أم من حقه أن يلعن الساعة التي ولد فيها عربياً؟ ولو اقتصر الإيذاء العربي للعراق على المشاركة في خنقه وحصاره لهان الأمر، لكن البعض كان وما زال يميز ضده طائفياً على اعتبار أن السواد الأعظم من شعبه من ملة أخرى غير تلك السائدة عربياًً. ويريدون بعد كل ذلك أن يتسول العراقيون العروبة على أعتابهم!

لا أدري لماذا ظن البعض أن العراق عربي لمجرد أنه عضو مؤسس في الجامعة العربية. ألم يكن حرياً بهم أن يعلموا أن تلك العضوية عضوية فارغة وغير قابلة للصرف في أي بنك وأنها ليست ضماناً بأي حال من الأحوال للحفاظ على عروبة بلاد الرافدين؟ لماذا لم ينتبه أدعياء العروبة إلى تلك الحقيقة الساطعة وهي أن العراق يقع عند البوابة الشرقية للعالم العربي وفي اللحظة التي يختفي فيها حراس تلك البوابة فإن الإيرانيين سيدخلونها فوراً خاصة وأن العراق يمثل للإيرانيين المدخل الأهم على المنطقة العربية لتصدير ثورتهم. وما لم يقاتل العراق ثماني سنوات لتم تصدير الثورة الإيرانية إلى العرب بعد أيام فقط من هبوط طائرة الخميني في طهران. لماذا نسي العرب أنهم بذروا مليارات الدولارات لمساعدة العراق في حربه ضد إيران؟ لماذا لم يلحظوا أن العراقيين الذين عادوا على ظهر الدبابات الأمريكية كانوا في معظمهم من الأحزاب التي رعتها إيران لأعوام كحزبي المجلس الأعلى والدعوة وهم بالتالي سيتحالفون مع الإيرانيين فيما بعد بشكل طبيعي؟ لماذا لم يعوا أيضاً أن إيران استطاعت أن تخلق لها قاعدة قوية متقدمة في لبنان البعيد عنها جغرافياً والمعروف بتوجهاته الغربية والمسيحية؟ وبالتالي من السهل جداً عليها أن تفعل الشيء نفسه في حديقتها الخلفية، العراق، خاصة أن التربة والظروف مهيأة لذلك أكثر من لبنان بمائة مرة بسبب التماس الجغرافي والخلفية الدينية والتداخلات التاريخية بين البلدين والأطماع الإيرانية القديمة.

هل تستطيع أن تـُبعد أكثر من نصف الشعب العراقي عن إيران لمجرد أن جنسيته عربية في جواز سفره؟ بالطبع لا. لقد كان حرياً بالمهتمين بالأمة العربية إذا كان هناك مهتمون فعلاً أن يعوا أن الرابط الطائفي قد يتفوق على الرابط القومي في العديد من الدول العربية خاصة أن معظم الأنظمة العربية الحاكمة كرست الطائفية والقبلية والعشائرية بدلاً من خلق دولة المواطنة وبالتالي فمن السهل جداً أن تستقطب هذه الطائفة أو تلك لصالح دولة أخرى كما شاهدنا في العراق ودول عربية أخرى. إن الاصطفاف الطائفي السريع في العراق أثبت كم هي بعيدة دولنا عن مفهوم المواطنة وكم هي سهلة على الفرز والاستقطاب! لماذا نلوم المائلين باتجاه إيران في العراق إذا كان الآخرون يميلون باتجاه العرب على أساس طائفي أيضاً علماً أن القوات الغازية لم تدخل العراق من جهة إيران بل عبر أراض عربية سنية؟ هل صحيح أن هناك عداء مستحكماً فعلاً بين شيعة العراق وشيعة إيران، أم أن التأثير الذي تحظى به المرجعيات الدينية ذات الجذور الإيرانية في العراق يثبت العكس؟ ألم تفز جماعة إيران بالنصيب الأكبر من مقاعد الجمعية الوطنية العراقية الجديدة؟

ليس من حق أحد أن يلوم العراقيين ولا قادتهم الجدد على الاحتماء بإيران والإصغاء إلى رجال دينها في العراق. ولا أبالغ إذا قلت إن هناك شرائح عربية كثيرة مستعدة للحاق بإيران والانسلاخ عن الدول العربية لو اتيحت لها الفرصة، ليس فقط بسبب التفرقة ضدها في هذا البلد العربي أو ذاك بل أيضاً لأن الانتماء إلى إيران أصبح أشرف بكثير من الانتماء إلى ما يُعرف بالأمة العربية. فبينما تتسول الدول العربية جمعاء الحماية الأجنبية وتبذر ثرواتها على أمور سخيفة وتتآمر على بعضها البعض بطريقة مفضوحة ودنيئة وترفع شعار أنا ومن بعدي الطوفان، ها هي إيران تنافح الغرب بترسانتها النووية الحديثة وقوتها العسكرية العظيمة ونهضتها الصناعية العملاقة وبنيتها التحتية الهائلة وعزة نفسها وإبائها وكرامتها الوطنية النادرة مع العلم أنها على حدودنا وتشترك معنا في إرث إسلامي وشرقي واحد.

إذن ربما يكون من الأفضل بكثير للعراق أن ينضوي تحت اللواء الإيراني بعدما نبذه أبناء جلدته الأقربون وتآمروا عليه وباعوه بالجملة والمفرّق وجعلوه يكفر بعروبته. فقد كان العراق جزءاً مما يسمى بالوطن العربي لثلاثة أرباع القرن وقد حاول فعلاً أن يحمل مشعل النهضة العربية بعد أن نجح في القضاء على الأمية تماماً وأسس صناعة حربية عز نظيرها وبنى مفاعلاً نووياً واستثمر المليارات في النهضة العلمية ونافس الغرب بمستشفياته وأطبائه لا بل كان يستورد البقدونس بطائرات خاصة من شدة البطر والرفاهية، لكن بعض "أشقائه" مثلاً سهـّل للإسرائيليين مهمة قصف مفاعل تموز النووي الذي وصفه صدام حسين ذات مرة بـ"عز العرب". وأنا على ثقة بأن إيران ستحمي أي مفاعل نووي عراقي يظهر في المستقبل لأنه لن يكون عربياً بل جزء لا يتجزأ من القوة الإيرانية الصاعدة التي، وللمفارقة، دافعت عن العرب أكثر مما دافعوا عن أنفسهم حتى ولو لمصالحها الخاصة. هل نستطيع أن ننكر أن كل الانتصارات العربية القليلة على إسرائيل في العقود الأخيرة كانت في بعض جوانبها بفضل الدعم الإيراني؟ هل تحرر جنوب لبنان إلا بالتعاون بين سوريا وإيران؟ هل أبلت حركات المقاومة في فلسطين كحماس والجهاد بلاء حسناً ضد إسرائيل إلا بمساعدة الإيرانيين ودعمهم؟

أليس من الأجدر بالعراق إذن أن يكون منتمياً إلى من يحميه ويحافظ عليه، حتى ضمن مشروع غير عربي، بدلاً من أن يكون يوسفاً عربياً آخر كفلسطين كما شبهها محمود درويش في إحدى قصائده؟