عبد اللطيف مهنا

لا أحد في العراق يسميها، علناً، حرباً أهلية... كما لا يمكن تصوّر أن عراقياً واحداً، له علاقة بعراقيته، يريدها... البعض، لا سيما خارج هذا البلد المنكوب المستباح، يطلق عليها تخفيفاً، وربما البعض من هذا البعض تحبباً، حرباً طائفية... المصطلح كريه ومرعب، لا يرغب حتى راغبيه كما ضحاياه، وكلٍ من منطلقه، في مقاربته أو حتى ذكره... بيد أن ما يعنيه أو ما يحمله مضمونه الدموي، بدأ بقدرة قادر، وتصميم مجتهد، ورعاية محتل، يتجسد فعلاً، ويسير جائلاً على قدميه الثقيلتين في أربع جهات أرض السواد... أخدت مرارة معانيه تغزو حلوق ووجدان العراقيين، وتطل غصّاتها اليومية عليهم من كوّات ونوافذ بيوتهم، بعد أن لم تكتف حسّراتها المتتالية من الالتقاء بهم خارجها... على الطرقات وحتى بين الأزقة... وأخيراً في المساجد... وهناك من بدأ يجزم مستنداً على قراءة متفحصة لاستهدافات مثيريها، أو مشاريع واستراتيجيات رعاتها، بأنها غدت أكثر من حرب أهلية!

...وسائل الإعلام الغربية هي أول من توقعها، وأشار إلى احتمالاتها، بل أول من روّج ضمناَ لقدومها، عبر التشديد اللافت على خطر اندلاعها... ثم هل هي صدفة، أن رجلاً مثل نيغروبونتي... هذا الذي يدلنا اسمه اليوم على وزير حاذق للاستخبارات، بوكالاتها المتعددة المختلفة، وبالأمس القريب على سفير للاحتلال في بغداد، والأمس الأبعد منه على خبير له تاريخه الحافل في حبك فصول الحروب السرية الموصوفة بالقذرة، في أمريكا اللاتينية مثلاً... هو أول من تبنأ باندلاعها... وأول من توقع انتشارها في الجوار العربي والإسلامي. وهو نفسه من قال أمام الكونغرس:

إنه "لا يستبعد حرباً شاملة بين العالمين السني والشيعي في العالم الإسلامي نتيجة للحرب الأهلية العراقية"!!!

طبعاً، من غير المتوقع، أن يقل نيغروبونتي لشيوخ بلاده، ولا لنا، ما هي مسؤولية بلاده فيما يبشرنا به، وليس لنا أن ننتظر منه أن يخبرنا عما إذا كانت قد سعت، إن لم يكن خططت لذلك، أو على الأقل تسببت فيه!

وهو إذ لم يفعل، فعلها دونما قصد أو نية، خليفته السفير زلماي خليل زاد، عندما بشّرنا بدوره باقتراب اندلاع واحدةً من حروب نيغروبونتي القذرة ذات المسميات الملتوية في العراق، عندما قال: "لقد فتحنا أبواب الشر... والسؤال هو... ما هو الطريق للمضي قدماً؟"

...ونضيع في لجة جوقة من التصريحات الأمريكية المتناقضة، لكن المدروسة والمقصودة التي تؤكد أو تنفي أو الاثنين معاً، هذه الحرب الأهلية أو الطائفية أو الفوضى البنائة، أو الأكثر من هذه وتلك... مثلاً، وزير الحرب رامسفيلد ينفي ليثبت، وينكر ليعترف، عندما يقول:

"لا أعتقد أنهم في حرب أهلية... لكنها احتمال قائم"! ...مع تأكيده الشهير، بأنها إن وقعت فهي مسؤولية عراقية محضة، لن يتدخل جيشه المحتل فيها، وسيبقى متفرجاً عليها! أما نائب الرئيس ديك تشيني، فيتهم الزرقاوي بالمسؤولية عن هذه الحرب. في حين أن رئيسه يكتفي بتسميتها "مزيداً من الفوضى" ستشهدها الأيام والشهور القادمة، ثم يتفق مع نائبه عندما يتهم المتمردين، وليس الزرقاوي وحده، بأنهم "يعملون على افتعال حرباً أهلية"... بيد أن الأطرف هو لعب جنرالات الغزو على المصطلح... مثلاً الجنرال كيسي المشرف المباشر على يوميات العذابات العراقية، يقول:

"البلد يواجه عنفاً طائفياً... الحرب الأهلية ليست وشيكة... ليست حتمية"، ويتطابق معه وزير الحرب البريطاني جون ريد، قائلاً: "ليست وشيكة، وليست مرجحة"! ويشاركهم اللعب على المصطلحات رئيس عراق ما بعد الغزو جلال طالباني، الذي يعتبرها غير واردة، أما هذه الدائرة في البلاد راهناً فهي شيء آخر عنده اسمه "الأوضاع متشنجة"!

لكن رئيس وزراء عراق ما بعد الاحتلال السابق إياد علاوي، يقطع الطريق على اللاعبين، مؤكداً:

"إننا للأسف نخوض حرباً أهلية... إذا لم تكن هذه حرباً أهلية فالله وحده يعلم ما تكون الحرب الأهلية"!!!

مما تقدم يمكن أن يستشف ما يلي:

المطلوب اليوم هو جني ثمار الاستراتيجية الأمريكية في العراق بعد ثلاثة أعوام انتقضت على غزوه... الغزو الذي تم تحت دخان كثيف من سيل الذرائع الزائفة والحجيج الواهية، والأكاذيب المتبدلة، والتي يتم اختلاقها أو تبديلها حسب العرض والطلب، وهي أمور غدت معروفة للقاصي والداني بمن فيهم المواطن الأمريكي، الذي هو آخر من يعلم عادةً، أي لا حاجة بنا لسردها... ثلاثة أعوام انقضت بعد قدومهم مع عملائهم ورجال أعمالهم، معززين بجيوش رديفة لجيوشهم المدججة من الخبراء والمرتزقة من أغلب جنسيات الكون، حيث بدأوا، ومنذ أول يوم، في وضع الأسس المنشودة والمقدمات المتواخاة لهذا الحصاد البغيض المنشود... حصاد الفوضى البنائة، أو المرتجى من تنظيم للحرب الأهلية عبر التحكم عن قرب وليس عن بعد، وأختبارها كأنموذج يمكن تعميمه لاحقاً في سائر المنطقة... بدأوا في التدمير الممنهج لبنى البلد ومؤسساته كافة، وأسرعوا التفكيك المدروس للأركان والأسس التي قامت عليها الدولة العراقية، ولم يتوانوا للحظة في بذل المستطاع من محاولات لتفتيت المجتمع العراقي، عبر انتهاج سياسة التمييز الخبيث بين العراقيين في سياق سياسة استعمارية قديمة أعادوها إلى التداول، هي إذكاء الفتن، وإثارة النعرات الإثنية، والطائفية، والمذهبية... وذلك بالتوازي مه التفنن في هندسة المذابح المباشرة عبر حملات تحت شتى المسميات، التي بدأت بالأفاعي وأدوات القتل المختلفة، وكان آخرها "القبضة القوية" في بابل، التي أعقبت مسمى آخر لحملة أخرى في سامراء...

وغير المباشرة، عبر كواسر وحوارج الداخلية أحياناً... ومقاولي الموت المجهولين، وفرقه السرية المتجولة الضاربة في كل اتجاهات وبلا تمييز بين ضحاياها، أحياناً أخرى... إلى تدبير من دبّر تفجير المقامات ومن كان وراء اغتيال أئمة المساجد... وصولاً إلى التطهير المذهبي... الذي سبقه العرقي شمالاً، حيث الأكراد هناك يظلون في حالة تحفز وانتظار للفرصة السانحة للانفصال، ويعملون جهدهم للتسريع في استخدام يومه ما أمكن... وكل ذلك تحت ستار لا ينقطع من قنابل دخانية تلقى بين الفينة والأخرى لتوحي برغبة الغزاة المزعومة في الانسحاب، لكن إذا ما تمت أكذوبة أخرى اسمها "العملية السياسية"، التي بدورها تسوّق دائماً لستر عورة الاحتلال، هذا الذي لم يأت ليخرج، والتستر على مآسيه المستمرة... وكل ذلك تحت يافطة إحلال "ديمقراطية" الفتنة والتفتيت... والآن ونحن على أبواب العام الرابع لاحتلال العراق، هل بدأت الاستراتيجية الأمريكية فيه تأتي أُكلها؟!

يأتي الجواب، وببساطة... الفوضى البنائة تحققت، لكن ورطة المحتلين تعمقت... ومقاومة الاحتلال، التي كانت أسرع مقاومة عرفها تاريخ الاحتلالات، تتعاظم ويشتد عودها... نجحوا إلى حين في تفكيك العراق، لكنهم فشلوا بامتياز في إعادة تركيبه وفق مواصفاتهم المنشودة، ولعل خير شاهد على ذلك تعثر تشكيل حكومة "العملية السياسية" إياها، التي يقول الرئيس بوش أنه "آن الأوان للاتفاق" على تشكيلها من قبل أطراف تلك العملية غير المتفقين حولها، وبعد تعثر دام أربعة شهور بالتمام على انقضاء الانتخابات... والأهم هو أن كلفة الاحتلال في سنواته الثلاث فحسب هي فقط 240 مليار دولار، الأمر الذي انعكس، وسينعكس أكثر مستقبلاً، على شعبية الرئيس بوش المتدنية بأضطراد، وعلى تفكك عرى سدنة المحافظين الجدد التي بدأت في التآكل، وأخذ البعض منهم يعيد حساباته، أو يحاول القفز مبكراً من السفينة التي يراها بأم العين قد بدأت تغرق في لجج استباقياتها... ويمكن الإشارة إلى المظاهرات التي عمت المدن الأمريكية والعالم... باستثناء العالم العربي... بمناسبة مرور الذكرى الرابعة للغزو... واتساع حركة معارضة احتلال العراق والمطالبة من قبل المزيد من الأمريكيين بتسريع الرحيل عنه... إذن، وإذا كان الحال العراقي هو الحال، ومآل المشروع الأمريكي في بلاد الرافدين، واستطراداً في المنطقة، هذا المآل، فما هو يا ترى سر تمسك الرئيس الأمريكي وحده بما يطلق عليه "استراتيجية النصر"، ولماذا يصر جازماً على أن "الولايات المتحدة لن تتخلى عن العراق"، بل علام إصراره العجيب على أن يورث الورطة العراقية للأجيال القادمة من الرؤساء الأمريكيين الذين سوف يخلفونه في البيت الأبيض، عندما يقول: إن قرار الانسحاب من العراق متروك لزعماء المستقبل؟!!

الجواب، أيضاً يأتي ببساطة، وهو إنها الأعراض المبكرة لذات الصيرورة التاريخية للإمبراطوريات، تلك التي يخبرنا التاريخ بأنه ليس منها فكاكاً... إنها ديدن ما بعد الوصول إلى القمة وقبيل الانحدار المحتم الذي يليه لا محالة... هاهم المحافظين الجدد الاستباقيون يسرّعون عبر شن الحروب الاستباقية لإرهاب العالم أوان انهيار إمبراطوريتهم... أساءاو تقدير تكلفة هذه الحروب، ليكتشفوا لاحقاً جسامة تكلفة تورطهم في شنها... هل من عودة؟ سنن الإمبراطوريات تقول أن ليس في واردها ولا في مقدورها التراجع... ومن أعراض ذلك، وفي المثال الأمريكي:

محاولة احتكار التفوق وتأبيد السطوة الراهنة، والتشبث بالإمساك أطول مدة زمنية ممكنة بقرار العالم، وتحويله إلى سوق لمنتجاتهم وصرعاتهم وحتى آكلاتهم السريعة، والمسارعة ما أمكن لوئد المنافسات المحتملة من قبل مراكز القوى الكونية الطامحة أو قطع الطريق على الواعدة مستقبلاً... والنظر إليه إجمالاً كحقل مشاع تخطر فيه غطرستهم، وكل من فيه تابع، أما الممانع فيمكن ترويضه أو ترهيبه بالاستفزازات والإهانات المدروسة... بل محاولة وضع اليد، عبر تعميم مفهومهم للعولمة، على كامل مسار الحضارة الإنسانية الراهن، وكأنما يمكن احتكارها أو أمركتها، أو ما يمكن تسميته محاولة تأميم قدارات وإمكانيات وثروات العالم... أوليس هذا هو حال الولايات المتحدة اليوم؟!

أوليست هذه الأعراض هي عين بدايات ذاك المرض الإمبراطوري إياه، تلك المؤدية لوثته عادةً إلى ذاك الانحدار؟! ...وعودة إلى العراق: أوليست مشاريع الحروب الأهلية هي واحدة من وسائل جورج بوش الابن الاستباقية لمحاربة عدوه اللامرئي أو ما يدعوه خطر الإرهاب الإسلامي؟

ألم يقل الجنرال أبي زيد:

"إن رؤيتنا للبقاء العسكري في المنطقة على المدى البعيد، يتطلب قدرة عالية على محاربة الإرهاب"؟!

ثم ألم يبرر مثل هذا البقاء، قائلاً:

"لا شك أن هناك حاجة للبقاء في المنطقة من أجل مساعدة الناس في وقت يتواجه فيه المعتدلون مع المتشددين"؟! ...وأخيراً، وعلى ضوء رؤية أبي زيد هذه ومبررات البقاء عنده في المنطقة، وفي العام الرابع للاحتلال الأمريكي وتعثر مشروعه في العراق، بفضل المقاومة العراقية للغزاة، هل يملك بوش الإمبراطور غير الهروب إلى الأمام، أو يجد ما يقوله للأمريكيين غير الكلام عن "استراتيجية النصر"؟!

...وبالتالي، هل يملك رامسفيلد، ونيغروبونتي، وزلماي خليل زاد، غير الاندفاع أكثر فأكثر وراء ما تخبئه سياسات ديمقراطية الفتنة والتفتيت في العراق؟!

هل يمكن صرف العراقيين أو إلهاؤهم عن مقاومة المحتل، أو تصوير بقائه كحاجة يزعمها أبو زيد، بغير دفعهم إلى الإحتراب الأهلي؟! نعم... في العراق اليوم يريدونها أكثر من الحرب الأهلية... لكن التاريخ يخبرنا بأن الغزاة مهما فعلوا ففي نهاية المطاف لا بد راحلون... ويظل السؤال الأهم:

بالإضافة إلى وعي العراقيين البادي لما يدبر لهم، ووحدتهم المرتجاة بالتالي في مواجهته:

ما هو الدور المستوجب على العرب في وئد ما يبيت للعراق، وماذا عليهم فعله لتسريع رحيل المحتلين؟!