على رغم عدم وضوح ما آل اليه الحوار في ساحة النجمة لمعالجة ازمة رئاسة الجمهورية لا تستبعد مصادر ديبلوماسية غربية في بيروت ان تجد هذه المسألة مخرجا لها في ايار او حزيران المقبلين. في ظل مساع ديبلوماسية اقليمية ودولية لتحقيق هذه الغاية وبروز عاملين مهمين: الاول ان استمرار الرئيس اميل لحود في منصبه بات مكلفا جدا للبنان وللطائفة المارونية على حد سواء. وما جرى في الايام الاخيرة في مجلس الوزراء والرسائل التي وجهت الى القمة العربية على نحو مباشر او غير مباشر بدت بمثابة نشر غسيل وسخ يخشى الجميع ان يعكس سلبياته على الوضع الداخلي. ثم ان استمرار لحود بات يتضاءل قيمة مع مرور الوقت بحيث لن يكون اي طرف مستعدا لدفع اي ثمن لاقناعه بالاستقالة. اما العامل الآخر فيكمن في الجهد العربي القائم من اجل ان توظف سوريا اللحظة المناسبة لتطبيع علاقاتها مع لبنان في ضوء الاستعداد الداخلي لفصل العلاقات معها عن مجريات التحقيق الدولي، ومع الاسرة الدولية من جهة اخرى وهذا هو الاهم ربما بالنسبة اليها.

حتى الآن، شاعت لدى اوساط وزارية في لبنان سيناريوات عن الشروط السورية للتعاون في موضوع الرئاسة الاولى. احدها يقول ان دمشق اشترطت فك العزلة الدولية المفروضة عليها ثمنا لحض الرئيس لحود على الاستقالة، ما دامت عاجزة عن الحصول على تسويات معينة في شأن التحقيق الدولي في اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وبحسب هذا السيناريو، فان عددا من الدول الاوروبية تلك وليس الولايات المتحدة، ارسل الى سوريا اشارات ايجابية بهذا المعنى.

ويتحدث سيناريو آخر عن شروط سورية تتمثل في تلك التي حددها "حزب الله" وتشمل اجراء انتخابات نيابية مبكرة والتقى فيها مع رئيس تكتل "الاصلاح والتغيير" العماد ميشال عون. اما السيناريو الثالث فينقله حلفاء لدمشق في لبنان عن بعض مسؤوليها ومفاده انها ليست مستعدة للتعاون في اي من الاوراق التي يطلبها لبنان، وانها تستمد تصلبها من الموقف الايراني المتشدد ازاء جملة امور والذي استطاع الحصول على اقرار من الولايات المتحدة بوجوب اقامة حوار مع ايران حول العراق كمرحلة اولى على الاقل.

ولا ينفي هذا السيناريو السيناريوين الاولين في رأي المصادر الديبلوماسية الغربية المعنية. اذ ان سوريا تحاول ان توظف بعض التطورات للايحاء بأن وضعها الدولي تحسن ويتيح لها اتخاذ موقف غير متساهل. الا ان الواقع الدولي غير ذلك. ويشهد على ذلك ان سوريا اظهرت تعاونا فعليا وملموسا في شأن عبور المقاتلين عبر حدودها الى العراق، وهو ما اقر به الجنرال الاميركي المسؤول عن القوات الاميركية في العراق جون ابي زيد قبل مدة قصيرة. لكن الموقف الاميركي لم يتبدل ازاء سوريا المطالبة بجملة امور اخرى. وقد صدر بيان عن وزارة الخارجية الاميركية في 24 آذار الجاري تحدث عن قمع سوريا للديموقراطية واعتدائها على حقوق الانسان بملاحقتها اخيرا عددا من الناشطين في هذا الحقل، وبعض المعارضين.

وتحاول دمشق وفق ما تلاحظ هذه المصادر ان تظهر ليونة في التعاطي مع مطالب المجتمع الدولي. ففي ظل المعارضة الاميركية لزيارة يقوم بها موفد الامين العام للامم المتحدة المكلف متابعة تنفيذ القرار 1559 تيري رود – لارسن لدمشق تأكيدا لقرار عزل سوريا، اضطر النظام السوري الى ايفاد وزير الخارجية وليد المعلم للقاء رود – لارسن في روسيا ثم في قطر. وهي مفارقة لافتة ان تضطر سوريا الى هذا الموقف الذي ارغم لبنان على اتباعه طوال سنوات وان لاسباب مختلفة اذ كان يضطر الى لقاء مسؤولين دوليين عبر سوريا او سواها احيانا.

وهذا الواقع يؤكد، بحسب هذه المصادر، ان شيئا لم يتغير في العمق في موقف المجتمع الدولي من دمشق. فهناك القرارات الدولية وفي مقدمها القرار 1559 الذي يعمل على تنفيذه وهناك ايضا الى العزلة الدولية ومطالبة دمشق بخطوات عدة في مجالات كثيرة، التحقيق الدولي في اغتيال الحريري والذي لم يختلف التقرير الذي قدمه القاضي البلجيكي سيرج برامرتس مضمونا عن التقريرين اللذين قدمهما الالماني ديتليف ميليس وان اختلف في الاسلوب باختلاف المحققين. وترى المصادر الدولية ان دمشق تقاربها كل هذه العوامل وفق مفهومها الخاص وتحاول تعميمه في لبنان وداخل سوريا، لكن الامور من خارج تبدو على نحو مختلف. وهي تعوّل الى حد ما على جهود عربية تقنع سوريا باعتماد منطق يقربها اكثر من المجتمع الدولي. ويشكل لبنان مفتاحا مهما في هذا الاطار. اذ على رغم تراجعه بين اولويات اخرى استحوذت على اهتمام المجتمع الدولي اخيرا من ايران الى العراق والوضع الفلسطيني وسوى ذلك من قضايا المنطقة، يستمر هذا المجتمع في الرهان على الخروج بلبنان كنموذج ناجح يسير عكس التيار الراهن في الشرق الاوسط. ولذلك يشكل الدفع الكبير الذي وفره رود لارسن للحوار بوصفه اياه بالتاريخي تعبيرا صادقا عما ترجوه الاسرة الدولية للبنان. وذلك في موازاة تفهم هذه الاسرة للعقبات التي يواجهها المتحاورون وسبل المعالجة وخصوصا في موضوع سلاح "حزب الله" والذي خطا خطوات كبيرة على صعيد خروجه من اطر دولية محددة الى اطر اكثر قبولا وخصوصا من الاميركيين. اذ ثمة تفهم للمخاوف التي يثيرها الحزب ازاء تخليه عن سلاحه ومحاولة لتبديدها انطلاقا من تفنيد دقيق للاسباب التي يعرضها في مقابل تفهمه المخاوف التي يثيرها حمله السلاح لدى جميع اللبنانيين وضرورة اقتناعه بمتطلبات وجود دولة مستقلة وسيدة على جميع اراضيها.

في اي حــال، فــان التوقــعــات كبيــرة لهذا الحوار اذا صدقت النيــات الى حــد يدفــع هــذه المصــادر الديبــلــومــاسية الغربــية الى ابداء مخــاوف من محاولة لتعطيله للحؤول دون ان ينعــم لبــنان باستقرار تفتقده المنطقة وذلك بالعودة الى عمليات الاغتيال او ما الى ذلك.

وهو امر يفترض بقاء الجميع على حذرهم وتحوطهم في هذه المرحلة السياسية الدقيقة جدا.