نزار صباغ

كثيرة هي مشاغل الدنيا والحياة ، بدءاً من الحصول على النقود وصولاً إلى الالتزام "بتعاليم الله" وبخاصة الظاهرية منها والتي تؤكد للغير كم نحن مؤمنون وطائعون لأولي الأمر بيننا .

رغم ذلك كله ، يتنطح البعض بالشكوى والنق على المسؤولين ، المحليين منهم والمركزيين ، وينتظرون هفوة – غير مقصودة بالطبع – أو قراراً أو تعميماً ، ليتلقفون الأمر ويسارعون في تضخيم ما يعتبرونه خطأ من وجهة نظرهم . المشكلة هي النظرة أحادية الجانب ... التي تعودنا عليها في حياتنا العادية والتي أصبحنا نمارسها – للنظرة أحادية الجانب رجاءً – حتى خلال النقاش مع أصدقائنا إن مع المشروب أو بدونه ، ومع أفراد عائلتنا ، وفي عملنا تجاه مرؤسينا . هذه النظرة تتسبب لنا بالانحراف الفكري وإسقاط المفاهيم السلبية على كل ما نعلمه من أفعال المسؤولين ، وللأسف فإننا ندرك متأخرين كم كنا مخطئين في وجهة نظرنا لكن ماذا نستطيع فعله ؟ ... أيمكن لنا الاعتذار ؟ ... أيقبل أولئك المسؤولون اعتذارنا ؟ قد نبقى في دوامة السؤال عن إمكانية الاعتذار من عدمه حتى نسمع أو نعلم بهفوة أخرى غير مقصودة ، فنعيد الكرة من جديد . لقد تعبنا نفسيا من ذلك ، ولهذا ، أقترح أن يعمل الجميع ضمن مفهوم جديد وهو أن يأخذوا الأمور والهفوات والقرارات والممارسات – العادية – من جانبها الإيجابي ويحاولوا إيجاد تبريرات منطقية لها بأن يضعوا أنفسهم – خيالياً - مكان أولئك المسؤولين ، كي يتمكنوا من معرفة الحقائق الدامغة التي لا شك فيها ... لقد تمكنت شخصياً ومن خلال التطبيق الفعلي للمفهوم الجديد ، التأثير على الكثير من المواطنين بل وإقناعهم بأن المسؤولين المحليين منهم أو المركزيين ، يتعبون كثيراً من أجلنا كما أنهم يعلمون أن "شعبنا" عاطفي ويطلق حكمه على الأمور باندفاع دون روية .

وقد وردني أن المواطنين متضايقون من قرار صادر عن إدارة مصرف توفير البريد بعدم إعطاء قروض لمن تجاوز الخمسين من العمر ، كما أن الكثير من المواطنين قد بدؤوا بإطلاق الشتائم والتهجم الكلامي على المسؤولين ، وهذا لعمري أمر عجيب وغريب ، لأن الموضوع لمصلحة الوطن والمواطنين ... إذ ما هو الضمان أن من يحصل على قرض مالي بعد تجاوزه سن الخمسين لن يتزوج على زوجته ..؟ تصوروا أن يتم ذلك ، وتصوروا حجم المشاكل الاجتماعية الناجمة عنه ، من خلافات أسرية مع الأبناء والزوجة الأولى التي قد تتطور إلى المحاكم وإشغال القضاء بمواضيع بسيطة تجاه غيرها من أمور جسيمة ، ثم ما يدرينا إن كان طالب القرض يتناول العسل الصافي ويتحف الوطن فيما بعدد بدزينة جديدة من الأطفال الذين سيحتاجون إلى طعام ثم مدارس ثم جامعات ثم فرص عمل ، إضافة إلى ما ينجم عنهم من الازدياد في استهلاك المياه والكهرباء .. إلخ ، الموضوع يا سادة بسيط جدا وهو يتعلق بالحد من النسل لكن بطريقة ذكية منعاً للإصطدام مع التيارات الدينية ومع التقاليد والمفاهيم الشعبية الموروثة .. وستجدون مع مرور الوقت أن الموضوع لمصلحة الوطن والمواطنين .

كذا الأمر حين تم قطع الشوارع في حماه بحجة "التدشين" ، وبصراحة تامة أذكر هنا أنني كنت متعجلاً عندما كتبت عن الموضوع ، إذ كنت قد نقدت ما حصل وتطرقت خلال كتابتي إلى المسؤولين وكيف أنهم مكلفون بمسؤولية خدمة المواطنين ، كما كنت قد ذكرت : " ثم يحسبون ويتذكرون ما يسمعون ويقولون بأن "المسؤول " يقبض راتبه من ميزانية الدولة الناجمة عن الإيرادات من شتى المجالات في الوطن ومنها الضرائب التي يدفعونها من رواتبهم أو أرباحهم ، بمعنى أنه يقبض راتبه منهم بشكل غير مباشر بصفته مكلفاً بمسؤولية تتعلق بخدمتهم ، وبذلك ليس من المفروض أن يتميز بترفع عليهم بل الأجدى أن يتميز بتواضعه تجاههم . أما أنا ، المواطن العادي البسيط ، فأتساءل صادقاً : عندنا يومان من العطلة ، ألا يمكن أجراء جميع عمليات التدشين خلالهما ، وبشكل تناوبي من قبل جميع المسؤولين ، وبتغطية تلفازية وبفرق موسيقية وطلاب مدارس وهتافات وأناشيد وتصفيق ، بل ودبكات جماهيرية إن كان الأمر يسلتزم التصوير ... لتأكيد ما يسمى إنجازاً يصب في خدمة المواطن بشكل هادئ دون "ضرب بالنية" فيما هو واجب على جميع المسؤولين ...؟ " . إني أعلن هنا بأني كنت مخطئاً ومتعجلاً ، فقطع الشوارع كان لمصلحة الوطن والمواطنون ، تصوروا أيها السادة حكمة المسؤولين المحليين لدينا وحرصهم على صحتنا كما حرصهم على البيئة السليمة ، فبإيقاف ومنع مرور السيارات في دائرة قطرها كيلو متر وفي مركز مدينة حماه وبوجود أغلب الدوائر الحكومية ما هو إلا منعاً للتلوث من جانب وتعويد المواطنين على المسير والحركة الرياضية من جانب آخر .

ثم ، ما هو السبب في التهجم والتندر على الحكومة والمسؤولين عند تذكر فواتير الكهرباء والمياه ، ولماذا توتر الأعصاب عند تذكر ضرائب الصرف الصحي ... تعلمون جميعاً أن الأسعار في ارتفاع ومنها أسعار ضرورات الحياة – المأكولات – وتعلمون أن الإنسان يحتاج إلى الراحة بعد إتمام عملية الهضم ، وهذا ما يتطلب استهلاكاً للمياه ... وتعلمون أن السياسات الرشيدة لحومتنا الموقرة ترتكز على تحقيق منفعة المواطن ، ولذلك فإنها تستهدف هدفين بطلقة واحدة : الأول هو تعويد المواطنين على التوفير في استهلاك المأكولات ( لأن الأكل الزائد يتسبب بإنفاق مالي أكثر كما يتسبب بعسر الهضم ثم بزيادة الإستهلاك في المياه لأجل صرف المنصرفات ) ، والثاني الحد من النسل ( لأن مواطننا لا يستطيع التخلي عما ورثه من عادات حياتية ، وبعضها يتطلب "التغسيل" كما يقال ، فإن استمر المواطن بذلك فقد تتطور العادة إلى فعل يومي وما يتبعه ذلك من أطفال جدد يحتاجون إلى وإلى .....) .

آمل من الجميع التصور خيالياً أنهم بأنفسهم مكان المسؤولين ، وتكفينا نظرة وفكرة وممارسة من جانب واحد ولون واحد . وابقوا أيها الصالحون ، صالحون ولا تتطاولون وتستعجلون بأحكامكم ، وخذوا المور بالنيات الحسنة ، ومن جوانب مختلفة .

حـِكـَـــــــم .