مع إعلان الرئيس الأمريكي عن خطته الجديدة لإحراز (النصر) في العراق، وهي القائمة على مهاجمة (الإرهاب)، كانت القوات الأمريكية تشن هجماتها الواسعة، باستخدام أكثر من 50 طائرة حربية وعدد كبير من الدروع، في محيط سامراء وسط تعتيم إعلامي مقصود. استمرت العمليات خمسة أيام ليعلن جنرالات الاحتلال عدم وقوع أي إصابة في صفوفهم، في الوقت عينه كانت قوات الاحتلال تقوم بحملة مماثلة في محافظة بابل، لتنتقل الهجمات أيضا إلى الشمال من بغداد.

كأن الإستراتيجية الجديدة تقول أن على القوات الأمريكية ان تهاجم في كل يوم المدن والقرى والقصبات في عموم العراق -باستثناء منطقة كردستان- وضمن الخطة الجديدة فان التعتيم الإعلامي سيد الموقف، لكي تتم تغطية ما يحدث على الطبيعة، في موازاة الأزمة السياسية الراهنة الناتجة عن الإخفاق في تشكيل حكومة عراقية بعد أن انقضت ثلاثة أشهر منذ الانتخابات التشريعية. أما الفوضى الأمنية فهي تضرب في المناطق كافة، في الوسط والغرب والجنوب، وتحصد يوميا عشرات الأرواح العراقية البريئة، دون أن يبدو في الأفق ما يشير إلى إمكانية وضع حد لهذه المأساة المروعة. وما يوجع القلب أكثر أن هناك قوى تضرب ذات اليمين وذات اليسار في نفس الوقت، لتأجيج نيران حرب أهلية لا تبقي ولا تذر.

ويعلق العراقيون على المواقف والتصريحات الرسمية الصادرة عن الساسة العراقيين بكثير من المرارة والسخرية، حيث يرون أن الساسة يقولون بعدم وجود الاحتلال وان الموجود قوات تحالف صديقة، مع أن الاحتلال هو صاحب الكلمة الفصل.

ويقولون بعدم وجود مقاومة مع أن المقاومة تضرب الاحتلال في معظم أنحاء العراق، ويقولون أيضاً أن هناك إرهابيين فقط، لكن الحقيقة هي أن الإرهاب مسيس وموجه دون أن يعلن أحد من يوجهه ويسيسه، ويزعمون ان ليست هناك حرب أهلية مع أن ما يجري يشير إلى وجود نوع من الحرب الأهلية الطائفية. والعراقيون يسخرون من سياسة النعامة. لكن نكران وجود الحقيقة لا يعني عدم وجودها. إن نذر الحرب الأهلية قائمة والخوف هو أن تتوسع. أما الإستراتيجية الأمريكية الجديدة فهي تستهدف ما تبقى قائماً من حطام دولة كان لها من العمر أكثر من ثمانين عاماً. هذا ما يردده العراقيون.

إن الهجمات اليومية المتنقلة بحجة مطاردة الإرهاب والإرهابيين في ظل تعتيم إعلامي مريب تعني أن المحتل لا يريد أن يبقي في العراق أي منتصب أو قائم بما في ذلك أمن القرى والمدن التي سلمت أو سلم جزء منها جراء الحرب والاحتلال.

في ظل هذا فإن وزير الدفاع الأمريكي ونائب الرئيس الأمريكي يؤكدان أن القوات الأمريكية باقية إلى ما بعد عام ،2009 بينما كان الرئيس بوش قد قال إن أمر انسحاب هذه القوات موكل إلى (الرؤساء الأمريكان القادمين) والحكومة العراقية، بما يؤكد أن الرئيس بوش لا ينوي سحب هذه القوات في فترة ولايته حالياً، وما يعزز هذا الحديث عن بقاء طويل الأمد إلى أن يتمكن العراقيون من الحفاظ على أمن العراق، وبالتالي فإن المؤشر يؤكد على القوى صاحبة المصلحة الحقيقية في بقاء الوضع الأمني على حالته الراهنة أو تصعيد حدة ما تقوم به طاحونة الموت والتدمير لكي لا يبقى في العراق أخضر -ربما باستثناء المنطقة الخضراء-.

أما المراوحة السياسية فهي ليست مقتصرة على مسألة الخلاف حول رئاسة الوزارة، بل هي في حقيقتها خلافات حول المحاصصة السياسية الطائفية بين المكونات المتصارعة، التي تتصرف وكأن الوقت ملك يمينها، دون النظر إلى المعاناة اليومية لعموم الشعب العراقي، وهي المعاناة التي بدأت مع الاحتلال وتفاقمت عبر تجاهل متطلبات الشعب من توفير للأمن وسبل الحياة والعيش من عمل وكهرباء وماء ووقود.

إن المأساة التي تعصف بشعب العراق تتعمق مع مرور الوقت في حين تتصرف الكتل والمكونات السياسية وكأن كل شيء على ما يرام، مؤكدة بالملموس أن همها الأساس مقتصر على جني الحصص بصرف النظر عن استحقاقات الوطن والمواطنين، فلا حماية للمواطنين ولا اهتمام بعملية إعادة الحياة للبنية التحتية المعطلة أو المدمرة منذ ثلاث سنوات. وإذا كان ثمة تركيز على بناء القوى الأمنية والجيش فإن ممارسات مليشيات الأحزاب تزيد الطين بلة، وتعمق الجرح العراقي الشعبي وتقرب النار من برميل البارود، لتأتي على كل شيء. إن تجاهل وحدة العراق وانتمائه، ودفن الرؤوس في الرمال والصراع على السلطة في ظل الاحتلال وتواصل حملات الإبادة والقمع والاعتقالات العشوائية، لا تشير إلى أن العراق يتجه إلى الاستقرار، كما أن الإخفاق في وضع برنامج وطني شامل تجمع عليه المكونات العراقية، يبدأ بجدولة انسحاب قوات الاحتلال وحل الميليشيات المسلحة والتخندق والتمترس تحت خيمة العراق الواحد، هذا الإخفاق يعني أن يغوص الجميع تدريجياً في بحر من الرمال المتحركة، والحل يبدأ من إدراك شامل لهذه المخاطر قبل فوات الأوان.