سورية الغد

في كتابها الصادر عام 1999 بعنوان (تحــولات الطــريــق الثالــث : بناء الرأسمالية الخيرة من أجل مجتمع المعلومات) للكاتبة آنا ماليانا (Anna Malina) قدمت الصورة التي بدا عليها الطريق الثالث قبل بداية الألفية الثالثة مباشرة، ويعكس الكتاب تصورا كاملا للتحولات التي يراها الطريق الثالث داخل الدولة والمجتمع.

ترى الكاتبة أنه انعكاسا للطريق الثالث انتشر الاعتراف بأن السياسة الحديثة تتطلب استعادة الثقة العامة، وإطارا جديدا لمعتقدات المشاركة، وتشكيلات اجتماعية واقتصادية جديدة كضرورة لمواجهة التقدم نحو التحول الى مجتمع المعلومات، ولمواجهة التغيرات الاجتماعية والاتجاهات الثقافية والاقتصادية المعاصرة. فالطريق الثالث يشير الى حركة بعيدة عن أسلوب القيادة التفاعلية وباتجاه نموذج تحويلي للقيادة. فالقيادة التفاعلية تقوم على أساس تطوير العلاقات على أسس تبادلية. على سبيل المثال، المواطنون يكتسبون الحقوق الديمقراطية ويتمتعون بحماية الدولة، في مقابل إنجاز واجبات معينة لصالح الدولة. على الجانب الآخر، فان أسلوب القيادة التحويلية يسعى الى تحويل معتقدات المواطن واحتياجاته لمواجهة التغيير وبصفة خاصة للتعاون في الابتكار والتجديد الاجتماعي، والمبادرة باتجاه نظام القيم الملائم. فقيادة "الطريق الأوسط" لإصلاح وتحديث الديمقراطية تعنى بالنسبة للطريق الثالث الدفاع عن الحركة مع التأكيد على أن تكون بعيدة عن الأشكال البيروقراطية، وباتجاه تنقية البنية اللامركزية، باعتبارها أكثر ديناميكية وابتكارية، وأكثر مقدرة وفقا للاصطلاحات الإدارية والحكومية.

وتنقل الكاتبة تأكيدات جيدنز على الصعوبات المتعلقة بالنظام التقليدي، حيث أشار الى أن حصول الأفراد بدلاً من العائلات على الحقوق من دولة الرفاهية الاجتماعية أدى الى أن بعض أعضاء العائلات اعتبروا أنفسهم منفصلين عن وحدة العائلة. كما رأى جيدنز ان الأسلوب القديم للديمقراطية الاجتماعية لم يعد قادرا على التكيف والاستجابة الملائمة للمهام الايكولوجية النامية، وألقى بالضوء على ضغوط الجماعات الكونية والتجمعات غير الحكومية في هذا المجال. فهناك صعوبة كبيرة في تطوير مفتاح للخدمات العامة يكون قادرا على تشجيع أكثر للرؤى الحكومية .

والطريق الثالث يقدم فلسفة خيرة على مدى واسع متعدد الأبعاد، تعرف منافع الناس المهتمين، والجماعات المهتمة في المجتمع. ووفقاً لجيدنز، فان الطريق الثالث يفضل الحكومة الديناميكية. كما يسعى الطريق الثالث الى جمع أكثر العناصر فائدة من تقاليد الليبرالية والماركسية.

وحول التبدلات التي يفرضها واقع المعلومات وأثره على المجتمع فإن الكاتبة تشرح رأي جيدنز بأن سياسة الطريق الثالث تقبل حقيقة العولمة، وتعرف أنه بقدر ما تحقق من فوائد فإنها تخلق مشكلات، فالطريق الثالث هو الاستجابة الإيجابية الاجتماعية الديمقراطية للعولمة، وهو ما يتطلب الإدارة الجماعية ويستدعى حكومة نشطة على كل المستويات. وبالرغم من وجود العديد من الاختلافات حول العولمة ومعانيها ومكانها في المجتمع، فان مصطلح العولمة له استخدام دائم اليوم ، فالساسة وبعض المخططين في المملكة المتحدة يخططون لأدوار جديدة مطلوبة بشدة للتحول الى مجتمع المعلومات وذلك للتعامل مع الفرص والمخاطر المصاحبة للعولمة . وفي هذا الصدد، تحاول البرامج السياسية تحويل المعتقدات، القيم، الاحتياجات، بهدف بناء المسؤولية المتبادلة وأشكال ديناميكية جديدة، قادرة على التلاقي مع المطالب الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية لمجتمع المعلومات. ومن ثم، فإن ميكانزمات الرأسمالية الخيرة تعد ضرورية لمقابلة التحديات المثارة من التقدم باتجاه مجتمع المعلومات.

وفي مجتمع المعلومات هناك معايير اجتماعية جديدة وتنظيم ثقافي لإعادة بناء المجتمع وفى نفس الوقت تعزيز التماسك الاجتماعي. ووفقا لفريز فإن هذه العلاقات مرتبطة أساسا بالاتصال بدلا من التعريف الشخصي للمجتمع المحلي، وتأسيسها يقوم على افتراض أن المجتمع المحلي يؤسس الطبقة الأولى من البناء في عملية خلق المجتمع السياسي الوطني، وذلك بدلا من أسلوب البناء الهرمي من القمة الى القاعدة. وطبقا لهذا المفهوم فان الدولة القومية لا تخلق المجتمع السياسي المحلي حتى لو أدمجته في محيطها وبنائها المؤسسي، ولأن المجتمع المحلي يسبق الدولة القومية، فإن له الحق في الاحتفاظ باستقلاله المحلي وهويته وموقعه، ودوره في الاستجابة لاحتياجات مواطنيه، حيث لا تكون الدولة القومية ولا المؤسسات الكبيرة قادرة على القيام بذلك .

ويشير الطريق الثالث الى أن الثقة والرغبة الطيبة والثقة المتبادلة أمر أساسي لما يطلق عليه الاستثمار الاجتماعي آخذا في الاعتبار ضرورة تعميم وتعزيز أشكال المواطنة. وفي المحصلة فإن الكاتبة ترى أن جيدنز حاول في نظريته البنائية أن يقيم جسرا بين انقسامات النظريات البنائية، واعتبر أن خصائص الطريق الثالث دخلت في الروتين اليومي وفي العادات داخل المملكة المتحدة، ومن خلال عملية التعليم الاجتماعي التي تدعم الأعمال البشرية الروتينية لتقدم صورة أكثر جاذبية للرأسمالية الخيرة في البنية العميقة للمجتمع.

وتجد الكاتبة أن المبادئ والفلسفة التي تقود وتحرك الطريق الثالث تدعم وتتجه لاستعادة الثقة العامة في السياسة، وتوفر تسهيلات أكثر لآليات المساندة في المجتمع، كما أنها يجب أن تكون أكثر ملاءمة لمجتمع المعلومات. كما تؤكد على طروحات جيدنز في الدور الأفضل للحكومة المركزية عبر إنتاج الموارد (المدخلات) اللازمة لخلق ثقافات أفضل للمواطنة في كل قطاعات المجتمع، وقيادة محلية أكثر رحمة، وأكثر مسئولية وشفافية، وأعمال محببة أكثر، وقطاع تطوعي فعال، وقطاع تعاوني قوي أكثر مساندة وذو مبادرة عالية للقيام بأعمال صغيرة في المجتمع، وأكثر حرية ونشاطا وأكثر تحملا للمسئولية العامة، ومجتمع ذو قوة عمل ذات دافعية ومهارة عالية، وانه باستخدام هذا المنهج فان المجتمع سيعبر بالفعل عن كل فرد فيه .