سورية الغد

الملاحظ عبر أقل من قرن أن مفهوم "الطريق الثالث" رسم منهجا جديدا، فبعد أن كان محاولة لصياغة نوع من الدمج في أوائل القرن العشرين بين ديناميكية الرأسمالية وقيم الاشتراكية، فإنه في نهاية القرن العشرين أصبح محاولة لحل المشكلات الناتجة عن تطور الاقتصاد الرأسمالي، وفرض قيم العولمة على المجتمع. لكن النتيجة تبدو واحدة لأن المحاولات منذ بداية القرن وحتى اليوم انصبت على تأهيل المجتمع للاندماج أكثر في الحياة العامة من خلال دعم "الطبقة الوسطى" التي تعتبر جوهرية في أي عملية اقتصادية أو سياسية. فالطريق الثالث عبر محاولته وضع قيم خاصة قادرة على رعاية المجتمع يقدم في نفس الوقت إمكانية التفاعل الدائم بين عناصر المجتمع والنظام الاقتصادي لتأمين تجدد الطبقة السياسية، وتوفير حيوية في الأفكار والآليات السياسية. والتأكيد هنا على مسألة الطبقة الوسطى وأنها المستهدفة في "الطريق الثالث" ينبع من تعريف هذه الطبقة ابتداء من مورو برجر الذي حددها في جماعتين أساسيتين الأولى: تشمل التجار وأصحاب المصانع الصغيرة ومن يعملون لحسابهم والذين لا يؤهلهم دخلهم ولا قوتهم لأن ينضموا لذوى النفوذ والجاه فى الحياة السياسية والاقتصادية. وتشمل الجماعة الثانية: جماعات أخرى مختلطة تضم المهنيين المستقلين كالأطباء والمحامين والمهندسين والمديرين والتقنين كما تضم المثقفين والفنانين والأدباء والكتاب. وكذلك المشتغلين بالبحث العلمي. وتمتلك الطبقة الوسطى بحكم تكوينها الثقافي قدرة هائلة على صناعة الأفكار وعلى التصرف كقوة تحديث اجتماعي وسياسي. وحين تتوسع الطبقة الوسطى وتترسخ، تنحو إلى خلق الشروط والبنى والآليات التي تكفل لها الاستقرار الضروري للمحافظة على هذه الأغلبية وعلى المجتمع المدني الذي نشأ بموازاتها. هذا يعني: • دولة قوية مع مؤسسات تمثيل وتشريع وحكم وعدالة وإدارة، حديثة وعقلانية وفاعلة.

• حياة سياسية ومدنية متطورة مع أحزاب وهيئات وجمعيات قادرة على التعبير عن المصالح المتنوعة وحمايتها والترويج لها تحت سقف القانون، بعيداً من نظام الولاءات التقليدية والاستزلام الموروثة عن مرحلة الإقطاع.

• حريات عامة مقدسة ومصانة (حرية التفكير، حرية التعبير، حرية الحركة، حرية التكتل... الخ)، هي الحليف الأول للطبقة الوسطى والبيئة الفضلى لنموها واستمرار أغلبيتها.

ومع الاستقرار والتوسع العددي، تنحو الطبقة الوسطى كذلك إلى التماهي مع الوطن، فيصبح الحس الوطني والدفاع عن الوطن وسيادته ووحدته، انعكاساً للمصالح الحيوية والعميقة للمواطنين وليس مجرد تعبير عن رابط إثني أو جغرافي أو تاريخي أو ثقافي فحسب.

من هنا فإن حيوية الدولة تأتي أساسا من "الطبقة الوسطى" ومن قدرتها على إعطاء التيارات السياسية والفكرية رافدا بشريا بالدرجة الأولى. بينما تشكل هذه الشريحة خريطة المصالح الأساسية التي تتفاعل مع النخب بمختلف أنواعها.

لذلك فإن الطريق الثالث ينحو باتجاه دعم هذه الطبقة لأنها لا تشكل جمهوره فقط، بل أيضا تعبر عن نقطة الاتصال ما بين مصالح اقتصاد السوق وما يمثله من رأسمال والشريحة الاجتماعية الأكثر استهلاكا وتفاعلا مع كافة التطورات الاقتصادية. ومن جانب آخر فإنها تمثل حالة التشابك الحقيقية ما بين "المجتمع المدني" والمجتمع السياسي الممثل بمؤسسات الدولة والسلطة السياسية.