حين تنهي القمة العربية أعمالها اليوم في الخرطوم، وتصدر قراراتها وتوصياتها، التقليدية والمتوقعة، يستعيد أهل وادي النيل عموما، وأهل العاصمة السودانية المثلثة خصوصا، ذاكرة للتاريخ مضى عليها نحو أربعة عقود من الزمن، حين انعقدت في نفس العاصمة أشهر قمة عربية سميت قمة اللاءات الثلاث، إثر زلزال هزيمة 1967 المدوية.

أربعة عقود من الزمن إلا قليلا، باعدت بين القمتين من حيث الشكل ومن حيث المضمون، فلا عرب اليوم هم عرب الأمس، ولا قادة الأمة الآن هم قادة الأمس، ولا الظروف والملابسات والأزمات الداخلية والدولية، كل شيء تغير، ربما من النقيض إلى النقيض.. قمة اليوم في الخرطوم جاءت لتؤكد من جديد، اعتمادها مبادرة السلام العربية، التي سبق أن أقرتها قمة بيروت، خيارها الاستراتيجي، القائمة على تسوية الصراع العربي الإسرائيلي تسوية سلمية، تتضمن الاعتراف العربي بإسرائيل والتطبيع معها إذا تخلت عن الأرض المحتلة.

قمة الأمس في الخرطوم قررت لاءات ثلاثا شهيرة، هي لا للصلح ولا للاعتراف ولا للتفاوض مع إسرائيل، حتى يتم تحرير الأرض العربية المحتلة، مثلما قررت قطع أو تجميد العلاقات العربية مع الولايات المتحدة الأمريكية حامية إسرائيل.. وقتها كان الوقت عصيبا عنيفا للغاية، هزيمة سياسية عسكرية مدوية، حاقت بالعرب أمام إسرائيل، التي أكملت احتلال ما تبقى من فلسطين، فضلا عن احتلال سيناء المصرية والجولان السورية، وسط دعم أوروبي أمريكي هائل، وتشجيع وربما إعجاب دولي بالأسطورة الإسرائيلية التي لا تقهر! قمة الخرطوم قالت لا، لكي توقف الانهيار وتداعياته المرعبة، وتسند المجهود الحربي والعمل السياسي على كل الجبهات، وهو ما دعم حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية، لتمهد الطريق الفعلي لحرب أكتوبر 1973 المجيدة فيما بعد، وفي الحالتين لحرب الاستنزاف وحرب أكتوبر، كان الدعم العربي هو السند الحقيقي، الذي استند الى لاءات قمة الخرطوم، لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض.

يا إلهي، كم تغير الزمن وتغير الأشخاص والأحداث وتقلبت السياسات، وكم جرت المياه متدفقة في النيلين الأبيض والأزرق من الجنوب إلى الشمال، وكم تبدلت المفاهيم والمصطلحات، من قمة الممانعة والمعاندة، إلى قمة الموافقة، وبالمقابل كم تغيرت إسرائيل وتقدمت ورسخت أقدامها الثقيلة على الأرض المحتلة في فلسطين والجولان، بعد تحرير سيناء بالتفاوض، كم تسلحت بالقدرات النووية والترسانات التقليدية.. وكم انقلبت السياسات الدولية وموازينها، بعد أن غاب القطب السوفيتي الذي كان سند معظم العرب، ليسود الآن قطب أوحد هو القطب الأمريكي الذي كان ولا يزال سند إسرائيل.. فمن الذي صعد إلى أعلى وتقدم، ومن الذي نزل إلى أسفل وتخلف؟ الإجابة لا تحتاج إلى ذكاء استثنائي، لأن الأمور أكثر من واضحة، تجبر الجميع في هذه اللحظة الفارقة، على التساؤل عما جرى للاءات الثلاث لقمة الخرطوم القديمة، حيث سيجيب ’’الثوريون الرومانسيون’’ بكلمة واحدة هي ’’الخيانة’’، بينما سيقول ’’المحافظون الجدد’’ بل إنها ’’الواقعية’’، وبين الطرفين والكلمتين تكمن حقيقة أزمتنا الراهنة، التي تكشف واقع العجز حتى عن الدفاع عن الحقوق الشرعية التي يعرفها الجميع! سلسلة القمم العربية المتتالية، مع كامل احترامنا للجالسين فوقها، لم تعد قادرة على اتخاذ المبادأة والمبادرة منهجاً وسلوكا، ولم تعد قادرة على فرض قراراتها، ولا حتى الاشتراك اشتراكا فعلياً وعملياً في تقرير مصير دولها وحل أزماتها المتتالية كالسيل المنهمر، إنما هي أصبحت تجتمع وتنفض كرد فعل لأحداث أو قرارات وسياسات تقع وتقرر وتوضع في عواصم دولية، ومناطق أخرى من العالم القريب والبعيد، وتأتي قممنا لتصادق عيها وتقرها وتتبناها، حتى لو قالت كل صحفنا وإذاعاتنا إنها مبادرات عربية صرفة! لذلك لم أكن أتوقع من قمة الخرطوم الحالية التي تصدر قراراتها اليوم، أكثر مما قالته وقررته، فجدول الأعمال معروف ومزدحم، ومشروع القرارات كان في أيدي بعض الصحفيين العرب والأجانب منذ أسبوع، والتجديد لعمرو موسى أميناً عاماً لخمس سنوات جديدة أمر متفق عليه مسبقاً، ومجلس الأمن والسلم العربي محاكاة تقليدية منتظرة وطبيعية لمجالس مماثلة في الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي.. الخ.

أقول لكم بصراحة جارحة، إن الجديد الحقيقي والفعلي، هو تسليم هذه القمة، مثل سابقاتها، بان ’’مصير الأمة لم يعد في أيدي القمة’’، وأن أزماتها الساخنة لم تعد تبحث وتحل في عواصمنا، وأن ملفاتها قد هاجرت هجرة إرادية أو قسرية إلى هناك، إلى عواصم صنع القرار واحتكاره، بل ممارسة الهيمنة عليه، في ظل استسلام أصحابه لما يسمى الأمر الواقع الجديد. وخذ عندك الأدلة التالية:

’’أولا: ملف القضية المركزية’’ هكذا كانت تسمى!!’’ أي الصراع العربي الإسرائيلي، انتقل نهائيا منذ سنوات لواشنطن، في ظل تحلل القوى العربية، وصعود القوة الإسرائيلية، ولم يعد في وسع العرب، قمة وسفحا، سوى المبادرة بالموافقة على مشاريع التسوية المستوردة عبر اوسلو وخريطة الطريق وتفاهمات لا تُفهم ولا تنفذ! ولم يكن مطلوبا من قمة الخرطوم، سوى تكثيف الضغط على حماس، الحركة والحكومة، حتى تعترف بإسرائيل، أو تسقط في ظل الحصار، وهذا ما يجري سراً أو علنا، باسم مكافحة التشدد الفلسطيني، وتشجيع الاعتدال الإسرائيلي!! ثانيا: الملف العراقي، مرهون هو الاخر في واشنطن، منذ قرر المحافظون الجدد الأمريكيون شن الحرب على العراق، وواكبهم بعض العرب بتشجيع الحرب لإزاحة الطاغية المعتدي، بينما حرض عرب آخرون حكم صدام على المكابرة والمعاندة، حتى وقع في الشراك الناسفة..

ولم يعد للعرب، بعد ثلاث سنوات من احتلال العراق، أي قول أو فعل في المسألة العراقية المعقدة والدامية وحين غرست القدم الأمريكية في هذا المستنقع الدامي، لم تجد عند أصدقائها العرب وسيلة إنقاذ حقيقية لإسعافها، وها هي تلجأ إلى التحاور مع إيران ’’عدوها اللدود’’ لكي تبحث عن حل للمأزق العراقي! ولم يكن مطلوبا من القمة، سوى تلبية هذا الطلب البسيط ، توفير غطاء عربي سياسي وأمني لخروج ’’أو هروب’’ أمريكي يحفظ ماء الوجه، وحتى محاولة عقد حوار وطني جامع للعراقيين في ظل الجامعة العربية، تتعرض للإجهاض الشرعي وغير الشرعي!! ثالثا: الملف السوري اللبناني الملتهب، أصبح في شراكة أمريكية فرنسية، تقرر وتفعل وتخطط وتنفذ مباشرة، فإن احتاجت دعما، لم تلجأ للأصدقاء والحلفاء العرب طبعا، ولكنها لجأت إلى استصدار قرارات نافذة من الأمم المتحدة، لتكون غطاء شرعياً لا يعوزها لأي غطاءات عربية إن كانت هذه متوفرة أصلا!

الإرادة الأمريكية الفرنسية. والأوروبية طبعا، هي التي قررت وتقرر في الشأن اللبناني ـ السوري، ابتداء من إخراج القوات السورية من لبنان ’’التي سبق أن دخلت بقرار عربي للمفارقة’’ وانتهاء بتشكيل محكمة دولية لجريمة اغتيال رفيق الحريري، وصولا لتصفية المقاومة وقمع سلاحها وربما سجن قادتها أو تصفيتهم!! ولم يكن مطلوبا من العرب قمة وسفحاً، سوى الموافقة، وربما تسليك بعض الخطوط التفصيلية والهامشية المعطلة!!

رابعا: الملف السوداني، من أزمات جنوبه إلى غربه وشرقه.. كان الملف ولا يزال أسير العاصمة الأمريكية وبعض العواصم الأوروبية، التي استخدمت عواصم افريقية وعربية لتزويق الصورة فقط، لقد تم توقيع اتفاق السلام في السودان بين الحكومة والحركة الشعبية منذ عام، لوقف الحرب في الجنوب، بضغط ونفوذ وصياغة وتهديد وإغراء أمريكي أوروبي، لان الهدف ابعد من إيقاف الحرب. وها هو ملف دارفور الملتهب بعنف، يهاجر عنوة من أيدي السودانيين والعرب والأفارقة، إلى الأيدي التي تريدها أمريكا وأوروبا، استكمالا لتسوية الجنوب، التي ستؤدى في رأينا للانفصال، حتى لو استلزم الأمر غطاءً بالشرعية الدولية للأمم المتحدة إياها! لا تريد أمريكا وحليفاتها غطاء عربيا رئيسيا هنا، اللهم إلا بالمال والتمويل، لا تريد دورا عربيا ولا تسمح به كما فعلت في الملفات الأخرى، ليس فقط لأنها تتعنت ضد العرب، ولا تثق في قدراتهم وكفاءاتهم، ولكن أيضا لان العرب فرطوا في دورهم الذي كان وانتقلوا سريعا من الممانعة إلى الموافقة، ومن المقاومة إلى المواءمة، رغم أنهم كانوا في الخرطوم بالأمس، وعادوا إليها اليوم، ولكن يبدو أن ماء النيل قد تغير ونسيم الليل قد تبدل! أخيرا..

يلومني كثيرون من قسوة ما اكتب ناقداً للسياسات العربية الرسمية، محملا إياها المسؤولية عما وصلنا إليه من تخلف وتهور وضياع هيبة ودور وفقدان مكانة، غير أنني أجيب بان حكامنا وحكوماتنا معا يمثلون ’’ولي الأمر صاحب الحل والعقد’’ ويتمسكون بهذه الولاية حتى الموت، وبالتالي لا يحق لهم التهرب من مسؤولية نتائج سياساتهم وثمار حكمهم. القمم هي المسؤولة عن أزماتنا، ودليل المسؤولية يقفز من بين سطور البيان الختامي لقمة الخرطوم وقراراتها الصادرة اليوم، وليقل لي أي مسؤول، ما هو الدور الفاعل والقرار النافذ، الذي اتخذته القمة في أي ملف من الملفات الساخنة السابق ذكرها، بعيدا عن الترحيب والتأييد، أو الشجب والاستنكار. وكلاهما يلخص دور العاجز! ولنا ولكم الصبر، فليس لها من دون الله كاشفة. خير الكلام: يقول أبوفراس الحمداني: فيا أمتي لا تعدمي الصبَر إنه إلى الخير والنُجح القريب رسولُ