لم يجلس المواطنون العرب متسمِّرين أمام شاشات التلفاز بالأمس ينتظرون ما ستسفر عنه القمة العربية الثامنة عشرة التي عقدت في الخرطوم، ولم يصابوا بكثير من خيبة الأمل لنتائج القمة العربية فقد صاروا يتمتعون بمناعة كافية تجعلهم يمتصون أية خيبة أمل جديدة من هذه القمم الباردة، وصارت هناك قناعة مترسخة لدى الكثيرين تنطلق من مبدأ أنه إذا كان بعض القادة لم يقدموا لشعوب دولهم شيئا فهل نتوقع أن يقدموا للأمة العربية أي شيء؟! والملفت في اجتماعات القمم العربية الأخيرة أن سقف توقعات الشارع العربي لم يكن عالياً أيضاً لأن أغلب هذا الشارع صار يفكر بموضوعية أكثر لذا نجد أنه وصل إلى حقيقة مفادها أن القمة التي -تمثل الكل- لا يمكن أن تقدم شيئا لكل الشعوب العربية ما دامت هذه الدولة أو تلك -التي تمثل الجزء من الكل- لم تقدم شيئا لشعبها.

ستون عاما مضت على أول اجتماع لتأسيس جامعة الدول العربية والذي كان في عام 1946. فمنذ إعلان قيام جامعة الدول العربية رسميا في القاهرة، وحتى انعقاد قمة الخرطوم، يكون القادة العرب قد عقدوا 30 اجتماعا، منها 18 اجتماع قمة عادية، بالإضافة إلى 12 قمة ما بين استثنائية وغير عادية وطارئة، فضلا عن اجتماع القمة التأسيسية.

وبعد كل تلك السنوات والاجتماعات لا تزال العديد من القضايا، بدءاً من قضية فلسطين، التي هي من عمر الجامعة، حتى الملف العراقي، والسوداني المتمثل بمسألة دارفور، مرورا بعشرات القضايا الأخرى، في حاجة إلى قرارات حاسمة، لتجد حلولاً عملية لها، بدلاً من مئات القرارات الأخرى، التي لم تحقق بعد الحد الأدنى من طموحات الشارع العربي، لذا كان يفترض أن تختلف القمة العربية 2006، عن غيرها من القمم، لما كان يضم جدول أعمالها العديد من الملفات الصعبة. ولكن القمة مرت دون أن تختلف عن سابقاتها.

في كل عام يصل القادة إلى دولة الاجتماع في استقبال رسمي جميل وبترحيب عربي كريم. يجتمعون لساعات ثم يغادر كل إلى بلده بحفظ الله ورعايته. كل شيء يتغير في كل اجتماع، تاريخ الاجتماع، عاصمة الاجتماع، طريقة استقبال الوفود، وأسلوب الضيافة، قاعة الاجتماع، رئيس الاجتماع. ولكن شيئاً واحداً لا يتغير إنه البيان الختامي الذي يكاد يعاد في كل عام مع إضافة بند أو بندين يتكرران في السنوات التالية.

واضح أن القمة العربية بالأمس كسابقاتها لا حول لها ولا قوة في كثير من الأمور التي تحدث في المنطقة.. والإشكالية في هذه الحقيقة ليس أن يدركها من يعانون منها أو المتسببون فيها وإنما أن تدركها شعوب المنطقة التي يبدو أنها باتت مقتنعة بان هذه القمم لا تختلف عن قمة إيفرست المتجمدة والتي لا يذيبها أي حدث مهما كان كبيرا أو صغيرا. فمهما كانت الأوضاع ساخنة ومهما اشتعلت الأحداث فإن القمم العربية تتعامل معها ببرود تام.

قبل عقد قمة الخرطوم كان العراقيون ينتظرون من العرب أن يكونوا بجانبهم في مواجهة شبح الحرب الأهلية والتمزق الطائفي الذي صار يعاني منه العراق. أما الشعب الفلسطيني فقد كان ينتظر القمة ليأتيه الدعم العربي لمواجهة أي تعليق محتمل للمساعدات المالية الدولية كما أنه كان يتوقع دعما مباشرا إذا ما تعرضت السلطة الفلسطينية لعزلة دولية بعد تشكيل حركة "حماس" للحكومة. أما السوريون فقد كانوا يترقبون أسلوب تعامل القمة مع ملف العلاقات اللبنانية-السورية وكذلك الضغوط التي صارت تواجهها سوريا منذ مقتل الحريري إلى اليوم. أما أصحاب الأرض مستضيفو القمة فقد كانوا ينتظرون الدعم العربي للموقف السوداني فيما يخص مشكلة دارفور. القمة العربية مشكورة وبطريقتها العربية الكريمة لم تتجاهل أياً من الملفات المهمة فقد أشارت إليها في بيانها الختامي وأضافتها إلى بنود ذلك البيان ولكن كالعادة كله حبر على ورق!!

لا أعتقد أن هناك من يعترض على انعقاد هذه القمم بل على العكس الكثيرون يريدونها أن تستمر ولكن يريدونها بنتائج حقيقية ملموسة. وحتى لا يتهم الشعب العربي بأنه غير قنوع فإنه لا يريدها أن تصل إلى مرحلة الأفعال بل يكفيها أن تصل إلى مرحلة الأقوال المعقولة والمقبولة والتي يقبلها المنطق. فهل يصعب على القمة أن تحقق هذه الأمنية؟ ومن المهم أيضا أن تتوقف الجامعة العربية عن طرح بعض الأفكار الخيالية كفكرة إنشاء محكمة العدل العربية ومجلس الأمن والسلم العربي وغيرها من الأفكار غير الواقعية في الوقت الحالي وخصوصا بعد ثبات فشل تجربة البرلمان العربي الذي قضي عليه قبل أن ينهض وأكدت التجربة أن ليست كل فكرة ناجحة يمكن تطبيقها من خلال جامعة الدول العربية. ومن المهم أن يتم التركيز على الأفكار والقضايا الجوهرية التي تمس الإنسان العربي. على الرغم من خيبة الأمل العربي من نتائج القمة العربية إلا أن الكثيرين ما يزالون يرون أنه من الممكن أن تكون على مستوى أفضل بكثير مما هي عليه ويمكن أن تكون نتائجها حقيقية وملموسة ويمكن أن تكون نافذة الأمل التي تترقب الشعوب العربية فتحها في العام مرة واحدة لتتحسن أوضاعها. ولكن يبدو أن هناك من لا يريد ذلك ولا يعجبه أن تكون الدول العربية سيدة قرارها وهي التي تأخذ المبادرة في حل مشكلاتها بدلا من إدخال الأصدقاء الذين يصعب عليهم فهم بعض الأمور فلا يوفقون في الوصول إلى الحلول السليمة في الوقت المحدد.

المتابع لتطورات المنطقة يكتشف أن مشكلات العالم كلها موجودة في هذه المنطقة. فالحروب تندلع هنا. والاحتلال مستمر عندنا، وطبول الحرب الأهلية تقرع من حولنا، ونار الطائفية تشتعل بيننا، والتخلف والفقر ينتشران بين شعوبنا، إنها حالة فريدة من نوعها والأغرب هو التفاعل الكبير لشعوب المنطقة مع كل هذه الظروف الصعبة، والتعايش الغريب معها، وتحملهم لها على الرغم من مرور سنوات عليها.

الملاحظة الأهم بالنسبة للعرب هي ضرورة إدراكنا أن وضعنا ودور دول المنطقة بدأ يتراجع إقليميا بعد أن تراجع عالميا. وهذا ما أعتقد انه لم يمر على القادة مرور الكرام. فبعد أن صار العرب على هامش أي قرار عالمي يبدو أننا دخلنا مرحلة أننا صرنا على هامش القرار الإقليمي. فما يحدث من "حوار" بين الولايات المتحدة وإيران في العراق وحوله. وما يحدث في فلسطين من اتفاقيات وقرارات واكتفاء العرب بالتفرج على ما تفعله الأطراف الدولية وإسرائيل بفلسطين. ولا ننسى دارفور والتدخل الدولي في حل مشكلته. لقد وصل العرب إلى مرحلة حرجة للغاية عندما يكونون غير قادرين على حل مشكلاتهم الإقليمية التي تؤثر على أمنهم واقتصادهم وتنمية مجتمعاتهم