ترك وصول الرئيس فؤاد السنيورة الى الخرطوم، وقعاً أفقد القمة بعضاً من رتابتها، وبلادتها، ويعود السبب الى الحشد الإعلامي الذي لم يلحظ إثارة في أي من المواضيع المطروحة على جدول الاعمال، سوى موضوع العلاقات اللبنانية السورية؛ الذي كان الأكثر تداولاً في <<الكواليس>>، وكان <<لبّيساً>> الى أبعد الحدود؛ وبقدر ما جادت عليه الصحافة العربية، وحتى الأجنبية من أوصاف ونعوت، خلال الأيام التي سبقت القمة، فوصف هذا الملف ب<<الساخن، والمعقّد، والمتفجّر، والمأزوم...>>.

لم يدرج ملف العلاقات كبند على جدول أعمال القمة، ولا في الاجتماعات التحضيرية لوزراء الخارجية العرب، وما طرح هو البند الدائم على جدول اعمال مجلس الجامعة <<التضامن مع الجمهورية اللبنانية>>؛ والبند الآخر الداعي الى <<التضامن مع سوريا، ورفض قانون محاسبتها>>؛ لكن وعلى الرغم من ذلك، ظل لبنان <<مالئ دنيا الخرطوم، وشاغل ناس القمة>> يتردد كموضوع محوري، لا بد من ان يأخذ حجمه، ويفرض حضوره على القادة العرب... او من حضر منهم!

حتى الرئيس السنيورة لم يبق خارج <<تموجات هذا الحقل المغنطيسي>>؛ إذ عقد بعيد وصوله الى الخرطوم اجتماع عمل مطولاً، استمر حتى الواحدة والنصف من صباح أمس مع الأمين العام عمرو موسى، تناول <<حيثية>> حضوره، ومشاركته، والمكان الذي سيجلس فيه داخل القمة، والدور الذي يمكن ان يؤديه، وإذا كان بالإمكان التقدم بمداخلة، وخصوصاً ان رئيس الجمهورية العماد اميل لحود، هو رئيس الوفد اللبناني وفق القرار الصادر عن مجلس الوزراء. لم يجلس في المكان المخصص للوفد اللبناني؛ وهو وفق قرار مجلس الوزراء عضو في هذا الوفد، بل فضّل بداية المكان الذي خصص لكبار الضيوف في قاعة المؤتمر، انطلاقاً من انه <<ممثل المعارضة في الموالاة>>، والمنتدب من قبل الحوار الوطني لنقل رسالة الى الملوك والقادة.

كان الأمين العام عمرو موسى طوال الساعات الأربع والعشرين التي سبقت جلسة الافتتاح على خط التماس بين <<الجبهتين اللبنانيتين>> يرعى اتفاق الهدنة، ويحرص على منع حصول أي اشتباك، ذلك ان الرئيس لحود هو رئيس الجمهورية اللبنانية من منظار الأمانة العامة، وأيضا من منظار القمة. والقرار الذي تبلّغه من بيروت هو قرار صادر عن مجلس الوزراء اللبناني، وينص على ان الوفد الرسمي الى القمة هو برئاسة رئيس الجمهورية، وعضوية رئيس مجلس الوزراء، ووزير الخارجية، وسفير لبنان لدى الخرطوم، وسفير لبنان لدى القاهرة، ومندوبه الدائم لدى مجلس الجامعة.

هذا من الناحية المبدئية الرسمية. أما عملياً، فإن الموضوع الضاغط، والمتصل بالعلاقات اللبنانية السورية لم يدرجه لبنان، ولا سوريا على بساط البحث... وطالما ان البلدين الطرفين توافقا على عدم طرح الموضوع على جدول الأعمال، فهذا يعني انه يستحيل على الرئيس السنيورة طرحه منفرداً، ومن دون التنسيق على الأقل مع رئيس الوفد اللبناني الشرعي>>؛ رئيس الجمهورية، وهذا ما حاول عمرو موسى ان يؤكد عليه بوضوح كبير، وبشرح مسهب.

ما هو المخرج الذي هندسه موسى مع الرئيس السنيورة خلال جلسة العمل الطويلة التي عقدت بينهما ليل الإثنين الثلاثاء؟. من الناحية البروتوكولية، حرص موسى على ان يكون الى جانب الرئيس السوداني في مطار الخرطوم في استقبال رئيس الجمهورية اميل لحود، في حين انه لم يحضر الى المطار لاستقبال الرئيس السنيورة عند وصوله الى العاصمة السودانية، ليلا، واستعاض عن عدم حضوره الى المطار بزيارة رئيس الحكومة في مقر إقامته في <<الفيلات الرئاسية>> حيث عقد معه اجتماع عمل مطوّلاً.

أما من الناحية العملانية؛ فقد حرص موسى على ان يقتدي بالمثل الشعبي القائل <<بأكل العنب، لا بقتل الناطور>>؛ والمعنى المقصود، توفير المناسبة لأن يلتقي بأكبر شريحة ممكنة من القادة العرب، وذلك بحضوره في الوقت المناسب الى قاعة الاستقبال الكبرى حيث ينتظر الملوك والرؤساء، والقادة، ويلقي التحية على كل منهم، وإذا ما وجد ان الظرف مؤات، لحوار سريع مع البعض منهم؛ فذلك يكون من المفيد، والمستحسن. ...نجح السيناريو؛ وحضر السنيورة، والتقى سريعاً معظم القادة العرب، او من يمثلهم من الرئيس بشار الأسد، الى أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد، الى العاهل الأردني الملك عبد الله، الى سائر القادة ورؤساء الوفود بدون استثناء.

ولعل اللقاء المطلوب، والمرغوب، والذي استدعى كل هذا الجهد، والذي من أجله حضر السنيورة الى الخرطوم؛ هو مع الرئيس السوري، حيث تبيّن ان رئيس الحكومة، يطلب منذ مدة، وتحديداً منذ ان كلفه مؤتمر الحوار الوطني بزيارة دمشق يطلب موعداً من دون ان يلقى الجواب. وخلال لقائه السريع مع الرئيس الأسد، وبعد السلام، أبلغه بأنه يود الاتصال به، وبعد عودته الى دمشق لتحديد موعد لزيارة العاصمة السورية؛ وقد رحّب الرئيس السوري <<على ان يصار الى التفاهم المسبق على جدول الأعمال الذي يفترض ان يتضمن أبرز المواضيع التي ينوي السنيورة إثارتها؟!>>.

بالمقابل كانت جبهة رئيس الجمهورية، أكثر تماسكاً. استُقبل بحفاوة كرئيس دولة، وفور وصوله الى الخرطوم عقد قمة عمل مع الرئيس الأسد، حصنت مواقعهما داخل القمة بالاعتماد على <<لاءين>>. لا لطرح موضوع العلاقات على جدول أعمال القمة. ولا لأي <<تدخل خارجي>> من قبل القمة، او من قبل بعض الملوك والرؤساء الذين يسعون للدخول على خط العلاقات. في ظل هذه الأجواء <<زالت عقدة العزل>>، وانفتحت الأبواب امام رئيس الجمهورية، ليقابل من يشاء من الزعماء العرب، ويعقد لقاءات ثنائية مع العديد منهم، وبالتالي انتقل الاهتمام من مربع إثبات الحضور، والموقع، والشرعية، الى مربع المحادثات الرسمية حول العديد من المواضيع الثنائية، وتلك المتصلة بتطورات المنطقة.

لقد كشف الاهتمام الرسمي، والاعلامي بملف العلاقات اللبنانية السورية، داخل قمة الخرطوم، وعلى هامشها؛ المزيد من الأسرار حول دور سوريا وموقعها ليست بالنسبة للبنان <<الدولة الجارة>> بل بالنسبة للعراق أيضاً، والقضية الفلسطينية، وحركة <<حماس>> والعلاقة الاستراتيجية مع طهران... لقد تعاملت الدول العربية، وخصوصاً الدول الخليجية مع الرئيس السوري، كرئيس للنظام الذي لا بد منه، ولا غنى عنه في هذه المرحلة للمساعدة على الحد من التأثير الإيراني النافذ على العديد من الدول العربية؛ والمساعدة على ترتيب الوضع في العراق بما يحول دون تفاقم الحرب الأهلية، وتمددها باتجاه العديد من دول المنطقة. والمساعدة على الإمساك بمنابع الأصولية، وتجفيفها قبل ان تتحول الى تيار جارف يجتاح معظم الأنظمة القائمة في المنطقة؛ والمساعدة على الإمساك بالملف الفلسطيني، ليس فقط من زاوية تأثيره على مجريات الأمور في لبنان، بل ايضا على مجريات الأمور بين الفلسطينيين داخل فلسطين، وأيضا بين الفلسطينيين، وإسرائيل. إن الصورة الأهم التي ظهّرتها قمة الخرطوم، هي تلك التي تتكرر في أدبياتنا السياسية اللبنانية: <<إذا كان اللبنانيون يرفضون ان يُحكم لبنان من سوريا، فعليهم ان يقتنعوا بأن لبنان لا يُحكم ضد سوريا؟!>>... إنها رسالة واضحة الى أهل الحوار في ساحة النجمة.