لا بد أن المواطن السوري يتساءل أو يسأل نفسه: لماذا كان لقاء "عبد الحليم خدام" مع المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين "على صدر الدين البيانوني" ولم يكن مع أي زعيم آخر من زعماء المعارضة في سورية؟

وبعيدا عن كوني أنتمي إلى التيار الإسلامي في سورية، وبعيدا عن أية معرفة مكتسبة عن طريق الأخبار، سوف أحاول أن أتحسس طريقي لكي أجيب نفسي عن هذا السؤال، قبل أن أجيب المتسائلين الآخرين.

مما قد لا يعرفه كثير من السوريين عن "المحامي علي صدر الدين البيانوني" المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين السوريين،أنه عايش الحركة السياسية في سورية على مدى أكثر من نصف قرن، كان منها ثلاث سنوات في المعتقل وأكثر من ربع قرن في المنفى.

وقد أكسبت هذه المعايشة "البيانوني" مرونة سياسية، عضوا في جماعة الإخوان المسلمين، فعضوا في القيادة مع أكثر من خمسة مراقبين عامين في سورية وخارجها، ثم مراقبا عاما، ما جعله موسوعةً سياسيةً تضم صفحاتها تاريخ سورية الحافل وماحواه من أحداث عصفت خلال النصف الثاني من القرن العشرين، فحرفت سورية –قصدا وليس عفو الخاطر- عن خطها الذي نهجه لها زعماؤها الذين خاضوا معركة الاستقلال ضد فرنسا. وتحولت من بؤرة للسياسة في محيطها العربي، إلى مجرد عزبة لمغامرين من حزب البعث، اعتصروا خيراتها كؤوسا مترعة في أفواههم، حتى لم يبق منها إلا القشور. ويبقى السؤال لماذا تقدم "البيانوني"، دون غيره، ليصافح خدام في "بروكسل"، ويعقد معه حلفا لتكوين "جبهة الخلاص الوطني" التي أراداها نواة لتجمع أكبر للمعارضة، بينما أحجم آخرون غيره من زعماء المعارضة السوريين ؟

يقول منتقدو هذا الاتفاق إن "عبد الحليم خدام" كان يبحث ،و قد خسر كل شيء في سورية بتخلي بشار الأسد عنه، عن فرصة تعيده إلى عالم الأضواء. فبعد أربعة عقود من العمل السياسي ،أصبح خدام يشعر بظلمة الإهمال. وها هي الفرصة يراها سانحة باتفاقه مع "البيانوني" ليعود إلى سورية من نافذة المعارضة بعد أن أخرج منها من باب النظام. وهو ،على كل حال، إن لم يربح في مسعاه الجديد، فلن يخسر أكثر مما خسر. ويقول هؤلاء أيضا إن "البيانوني" كان قد أطلق "النداء الوطني للإنقاذ" في نيسان من العام 2005، وحدد ثلاثة أشهر لخطوة أخرى تضع "النداء" موضع التطبيق كما كان يأمل، ولم يحصل شيء (الكاتب "لؤي حسين" ،في إحدى مقالاته، غمز من قناة الإخوان المسلمين، وزعم بأنهم قد يراهنون على واشنطن لوضع ما جاء في "النداء" موضع التطبيق). وجاءت الخطوة اللاحقة لينضم إلى قوى "إعلان دمشق" في أواخر شهر رمضان الماضي، أملا في أن يحقق من خلاله ما لم يستطع تحقيقه "بالنداء الوطني للإنقاذ".

ويضيف هؤلاء أن البيانوني وجد أن جماعة المعارضة في الداخل لم تتقدم خطوة واحدة إلى الأمام في تفعيل "إعلان دمشق"، فبدأ يبحث في اتجاه آخر،من دون أن ينفض يده نهائيا من جماعة "إعلان دمشق". ويعتقد آخرون: أن التحالف الجديد الذي عقده "البيانوني" مع "خدام"، ربما كان قارب النجاة الذي سينقذه من خيبة أمل كوادر جماعة الإخوان المسلمين، كما المواطن السوري، من أن أي شيء لم يتحقق مما وعد به "البيان" ومن بعده "إعلان دمشق".

طبعا هذا ليس كل ما جاء على ألسنة وأقلام المشككين. فهناك قائمة طويلة تكبر يوميا كما تكبر كرة الثلج، حتى أن أحدهم علق على اجتماع بروكسل الذي انعقد الخميس والجمعة في 16 و17 من آذار "مارس" الجاري قائلا: إن "البيانوني يتنسم رائحة السلطة ويتوقع انهيار النظام السوري". وحتى لا أحاكم النوايا، فسأضرب صفحا عما قال هؤلاء أو اعتقد أولئك، لأجيب مباشرة على السؤال الرئيس الذي جعلته عنوانا لمقالي :لماذا البيانوني وخدام ؟. لم يعد سرا أن القمع والاستبداد والاعتقال بل والإعدامات التي طالت الجميع في ظل قانون الطوارئ وخصوصا تحت ظل القانون 49 لعام 1980 ،وملاحقة المعارضين داخل سورية وخارجها من قبل أجهزة أمن حافظ الأسد قد فعلت فعلها، وأضعفت كل فصائل المعارضة. غير أن هذا الضعف يختلف من فصيل لآخر.

وحدها جماعة "الإخوان المسلمين" بقيت متماسكة بعض الشيء برغم مما أصابها على مدى أكثر من عقدين من الزمن من القمع والتنكيل وعمليات الاستئصال بموجب القانون 49 الذي أصدره حافظ الأسد،وما نجم عنه من آلاف الإعدامات وعشرات الآلاف من المعتقلين عدا عن التدمير الذي تعرضت له مدينة "حماة" في شباط من عام 1982 . ورغم أن جماعة الإخوان المسلمين قد تعرضت لانشقاق في عام 1986فقد بقيت مؤسساتها (القيادة ومجلس الشورى) تعمل بكفاءة، حتى في أشد الحالات الاستثنائية، ما جعل الجماعة تتداول الرأي، مبتعدة عن حالة فرض الآراء، ما مكنها أن تتعامل مع المستجدات بشكل يومي، فلا يصدر بيان أو موقف قبل أن يعرض على مراجعه، ويتم التداول بشأنه، وهذا ما لم يكن متوفرا لباقي فصائل المعارضة.

الأمر الهام الآخر، أن "عبد الحليم خدام" كان يعرف عن جماعة الإخوان المسلمين –بحكم موقعه إلى جانب حافظ أسد- ما يجعله يدرك القوة التي تتمتع بها هذه الجماعة ،إن على صعيد الكوادر، أو من خلال الرصيد الشعبي الذي تتمتع به. وقد أدرك "خدام" ذلك من أحداث آذار عام 1980 حيث أصبح النظام على كف عفريت بعد المظاهرة "المليونية" التي سالت بها شوارع حلب في آذار 1980 ،ما جعل الرئيس الراحل يحني رأسه للعاصفة، فيقول في خطاب له أمام الشباب في 23 آذار: "إن الإخوان المسلمين ليسوا مع القتلة ،وإن من حقهم علينا، بل من واجبهم أن يقترحوا ما يرونه ....".

وإذا كان النظام قد نجح بتقطيع أوصال كل الفصائل بمنع اللقاءات، والاعتقال على الشبهة، أو حتى بدون شبهة، فقد أدرك نائب الرئيس السابق أن هذا الضعف "ظرفي"، بمعنى أنه سيزول عن بعض الفصائل بمجرد الإطاحة بالنظام الحالي. وأن هناك فصائل لن يتحسن أداؤها كثيرا، وأن جماعة الإخوان المسلمين مؤهلة لأن تستعيد ما فقدته تحت ضربات أجهزة القمع في عهد حافظ أسد. ونستطيع أن نقول أيضا:أن "خدام" قد انحاز إلى مركز الثقل في المعارضة، وهو ثقل نسبي على كل حال في الوقت الحاضر. ولم يكن هذا الأمر ليغيب عنه وهو يعرف إمكانيات كل الأحزاب المعارضة في الداخل. ويبقى السؤال الأهم:ما الذي وجده "البيانوني" عند "خدام"حتى يقدم على خطوته التي وصفها بعضهم بأنها مقامرة أو مغامرة، لأن خسارته ستكون أكثر بكثير من خسارة شريكه الجديد الذي رأينا من يقول عنه أنه ليس لديه ما يخسره؟.

الذين يعرفون "البيانوني" عن قرب، يؤكدون بأنه ما كان له أن يغامر إلا أن يرى مصلحة سورية راجحة، رغم أن شركاءه في "إعلان دمشق" اعترض معظمهم على هذه الخطوة، حتى أن أكثرهم براغماتية،"رياض الترك" لم يخف اعتراضه معتبرا أن اجتماع بروكسل "لا يوحد المعارضة السورية بل على العكس يدخلها في خلافات جديدة هي في غنى عنها" .إذن ما الذي وجده البيانوني عند خدام حتى أقدم على لقاء بروكسل الذي وصفه الترك "بالخطير... وأن "البيانوني انفرد بموقف التعاون مع خدام خارج اعلان دمشق"؟

القول بغير علم ضرب من التنجيم.كما أن القول أن جعبة "خدام" ليس فيها إلا ملايينه التي يستثمرها في أوروبا، قول لا يستقيم مع ما هو معروف عنه من حنكة ودهاء. ولقد أكدت أحداث العراق وقانون "اجتثاث البعث" أن على كل بعثي سوري أن يسعى لمصلحته، بعد أن تحول النظام في سورية إلى حكم "العائلة". ولذلك لابد أن ننتبه إلى بعض عبارات "البيانوني" حول التعاون مع البعثيين الشرفاء. والمعتقد أن جذور "خدام" البعثية لم تقطع كلها، وأنه ما يزال يتمتع بدعم من مجموعات بعثية كامنة. وإذا صح هذا الاستنتاج فإننا يمكن أن نقول أن هذا التحالف هو تحالف بين أقوى الضعفاء على الساحة السورية، فليس هناك في صفوف المعارضة أقوياء.

وإذا وضعنا في الاعتبار ما ذكره بعض الذين لهم صلة بمراكز القرار في جماعة الإخوان المسلمين، بأن خدام أرسل ،قبل عامين، رسالة إلى البيانوني يعلمه فيها بأنه يفكر بمغادرة سورية ليلتحق بالمعارضة، فستزول كثير من إشارات الاستفهام. وما يجب أن نعرفه أن البيانوني يعتبر "عبد الحليم خدام" ،مهما كانت مواقفه السابقة، فهو في النهاية مواطن سوري، والاتفاق معه لا يخرج عن دائرة الوطن. وأنه لا يجوز أن يقارن بمن يمدون يدهم للأجنبي.

فقط أحب أن أقول أن الذين يعرفون "البيانوني" يعرفون أن هكذا خطوة ما كان لها أن تتم لو لم تحظ بمباركة مؤسسات الإخوان المسلمين، بل وبمباركة الرأي الآخر في صفوف جماعة الإخوان المسلمين. لعلي لم استطع أن أوفي هذا الموضوع حقه، فهناك أمور أخرى لاأعرفها. وما أوردته هو قراءتي غير المحايدة للقاء بروكسل. والأحداث وحدها هي التي تؤكد أو تنفي ما ذهبت إليه، وإن غدا لناظره قريب ،،،،،