حظ العربي عاثر اصلاً. كان يفترض ان يتفرغ البارحة لنتائج قمة الخرطوم. يفترض ان تثلج المقررات صدره وتعيد اليه ثقته بنفسه وبأمته. يفترض ان ترد كيد الأعداء الى نحورهم. كان باستطاعة العربي مثلاً ان يستدعي أطفاله ويرغمهم على التسمر امام الشاشة ليتأكدوا ان المستقبل ليس مظلما. وكان باستطاعته ان يرغمهم على متابعة الصحف خصوصا تلك التي افردت حيزا واسعا للمصافحات والعناقات.

للعربي مع الحظ حكاية قديمة. كلما ضرب له موعدا أخلف وازداد ابتعادا. المسألة من اولها مسألة توقيت. دائما تأتيه الاشياء في وقت غير مناسب فتحرمه فرصة الابتهاج او الاحتفال. وتكرار سوء التوقيت يدفعه الى الاعتقاد بأن الأمر ليس بريئا، اذ لا يعقل ان تلعب الصدفة دائما ضد العربي وكأنها تختاره وحده خصما من بين شعوب الارض.

عندما افاق قفز الى الشاشة. كان المذيع يتحدث عن الكسوف الجزئي للشمس وتوافد السياح الى ليبيا لمواكبته. كشف المذيع ان وزارة التربية قررت اقفال المدارس بمناسبة الكسوف. ثم استضاف خبيراً حذر المواطنين العرب من مخاطر النظر الى الشمس خلال هذه الظاهرة. كما حذر الخبير من مخاطر استخدام النظارات القديمة او تلك التي لا تستوفي شروط الامان. شعر العربي بالحيرة والانزعاج. لا يعقل ان يكون الأمر مجرد صدفة. اشتم رائحة مؤامرة. لا بد ان هناك من خطط لجعل الكسوف يسرق الاضواء من مقررات الجامعة العربية.

ثمة مؤامرة بالتأكيد. قد يكون الطرف المتآمر اراد حرمان العربي من رؤية المؤتمرين يعانون الاختناق من شدة العناق. وربما اراد حجب الانجاز المتمثل بحض العراقيين على الاسراع في تشكيل حكومة وحدة تمهيداً لمغادرة القوات الاجنبية. وقد يكون الغرض منع العرب من الاستمتاع برؤية الغسيل اللبناني ينشر على حبال الخرطوم وتجنيب الاطفال العرب خطر الانزلاق الفوري لتنفيذ عمليات انتحارية لدى سماعهم الرئيس اميل لحود يكاد يجعل خيار المقاومة هو الخيار الوحيد في مخاطبة العدو الاسرائيلي فضلا عن رئيس وزرائه وقوى 14 آذار. لهذا يصعب تصديق ان الكسوف جاء صدفة. واغلب الظن ان العدو لعب دوراً في برمجته وقد يكون تلقى مساعدة بارزة من «المحافظين الجدد».

ظالم هذا العالم. ماذا فعل العرب ليتم تحريك الكسوف ضدهم وقت اذاعة مقررات القمة؟. غلبه الخبث. لا مبرر للكسوف الزائر. العربي مكسوف اصلا. مكسوف في عيشه اليومي ومكسوف في مشاعره الوطنية والقومية. وحين كان الكسوف يعمي ابصار العربي ويحرمه لذة متابعة احتفال الخرطوم كانت اسرائيل تستعد لتشكيل حكومة مهمتها استكمال اجراءات الاستقالة والطلاق استعدادا لرسم الحدود وتثبيت احتلالها لبعض الضفة.

لن يتغير شيء. قالها بحزن ظاهر. ان أمة لا تستطيع وقف اندفاع العراق الى الحرب الأهلية ولا رعاية علاقات سليمة بين لبنان وسورية لا تستطيع بالتأكيد مواجهة الجدار الاسرائيلي والهجوم الذي يستعد ايهود اولمرت لشنه نيابة عن ارييل شارون.

شرب فنجاناً ثانياً من القهوة المرة وغرق في التفكير. اذا كانت القمة عاجزة اصلاً عن التصدي لهذه الملفات الصعبة فلماذا لا تنصرف الى أمور أكثر إلحاحاً وجدوى؟ وما الضير في ان تنهمك ببند وحيد من نوع وضع استراتيجية دفاعية في مواجهة الهجوم الذي تشنه انفلونزا الطيور؟ فالموضوع جدي ثم انه قد يكون الوحيد الذي يمكن توفير اجماع حوله اذ يصعب تصور انقسام العرب الى معسكرين واحد مؤيد لفيروس «اتش5 ان1» وآخر معارض له. وبعد تحقيق التضامن في مواجهة انفلونزا الطيور يمكن اطلاق حملة تلقيح على امتداد العالم العربي، خصوصاً بعدما تبين ان فيروس الانفلونزا يملك قدرة عجيبة على التسلل والانتشار على عكس فيروس التضامن العربي.

كان يوم العربي شاقاً وطويلاً. كابد مشقة التنقيب عن ضوء في مقررات القمة ثم دهمه الكسوف وانشغل بهموم انفلونزا التضامن العربي والطيور. لكنه يوم ويمضي ومن الآن الى موعد القمة المقبلة يتسع الوقت لمزيد من التمزق والحروب الأهلية وفيروسات الارهاب والتردي بمختلف اشكاله.