من لا يمل الكتابة يسأم على الأقل من "المسؤولية" بالتعليق على الحدث، أو التعامل مع التحليل وربما الرغبة في استنطاق الصور الجامدة، رغم أن النتيجة تبدو أكثر من واضحة، فعندما نعيش على مساحة من التحرك العبثي لا بد لنا من الدهشة لقدرتنا على استهلاك النظام اللغوي، أو استنزاف عقولنا وكأننا مجبرون يوميا على "الرسم بالكلمات" دون أن يكون لهذه الرسوم تشويق قصائد نزار قباني، لأنه هو من أراد "الرسم بالكلمات".

لكن المساحات البيضاء بحاجة إلى الغضب الذي يجتاحنا أحيانا، ويذكرنا في مراحل أخرى بأننا انفعلنا كثيرا حتى وصلنا اليوم إلى قمة "الكسوف"، فنضطر للنظر إليها من غير واقيات، فهل سيصيبنا العمى الكلي بعد أعوام؟ أم أن الكسوف السياسي لا يحمل معه سوى "عمى البصيرة"؟! سؤال نرسمه بالأحرف منذ بداية توالي الأخبار عن تغيب الرؤساء العرب، لأن هذا الغياب سواء كان متوقعا أم غير متوقع يقتطع مساحات مما سنكتبه ويختصر زمن القمة إلى دقائق سياسية طويلة تفوق حالة الكسوف الكلي في بعض مناطق العالم.

ومع "الكسوف" السياسي ننسى أحيانا أن مساحة حلمنا لم تحجبها الشمس، بل غطتها قدرتنا على الاختباء وراء قناعاتنا الأبدية، وتفوقنا في صناعة أحلام وفق "خطوط" إنتاج سريعة لا تعتمد الجودة بل تغطية الدفين داخل أنفسنا، فتظهر "القمة" اليوم لوحة مكتملة لمشهد نفشل عن وضع اللمسات الأخيرة له، لأنه رُسم تباعا مع حالات الاستنزاف لكل ما نملكه من استعداد على البقاء في كهوف التراث، أو أحلام الماضي.

ولأن الكسوف يُعمي البصيرة فإننا ننسى أننا نكتب اليوم ما كنا نكرهه بالأمس، وأن رفضنا القديم في "الخرطوم" كان شطحة غير متوقعة فدخلنا بعد عقود مراحل "الكفر" واستعادة الجاهلية على شاكلة القبائل المتناثرة على خارطة "العالم الجديد". للأسف نحن مضطرون أن نكتب بكل اللغات، محاولين إقناع أنفسنا أن الكتابة زاد معرفي ربما سيبدل عبر الزمن قناعات باتت بحكم العادة أو على شاكلة التقليد. لكننا في النهاية نضطر للاعتراف بأن المسألة أكبر من الكتابة. إنها نحت في الهواء ... ومقاربات لا نهاية لها مادام "الكسوف" السياسي يغطينا ويدفعنا نحو استهلاك الكلمات وانتهاك قدسيتها بحجة البحث عن معرفة جديدة..