سورية الغد

يبدو من استقراء تطور "الطريق الثالث" أن الدولة ليست شريكا في هذا المنهج بل هي العصب المحرك له، وفي نفس الوقت علاقتها مع المجتمع ليست على السياق الكلاسيكي الذي ظهر منذ جان جاك روسو وكتابه "العقد الاجتماعي"، فالطريق الثالث يرى الدولة ضمن "علاقة تحويلية" لا تتعامل مع تأهيل المجتمع بل أيضا، وربما الأهم، التعامل مع حقيقة التحول الذي يحمله "مجتمع المعلومات". والمسألة بالنسبة لها ليست "نشر المعلوماتية" إنما مع القيم التي تفرضها هذه الثقافة. هذا على الأقل ما تفرزه تجربة الطريق الثالث في العالم.

وإذا كانت الدولة في سورية أعطت منذ نهاية القرن الماضي أولوية لعملية الإصلاح الاقتصادي، كنوع من الاستجابة للتطورات التي شهدها العالم على مستوى العولمة، لكن الوضعية السورية لم تكن تتبنى "الطريق الثالث" أو على الأقل لم تعلن ذلك، رغم أن الإصلاح كان الهدف الأساسي منه هو "الطبقة الوسطى" التي ربما تختلف تسميتها داخل أدبيات الخطاب الرسمي السوري. وربما تكون أولوية الإصلاح الاقتصادي على السياسي واضح في غايته، وفي رغبة السياسة السورية إتاحة المجال كي ينتج المجتمع من جديد نخبه الثقافية والسياسية. ولكن كيف سارت سورية في هذا المسار؟ وهل هناك بالفعل طريق ثالث في سورية؟

ربما علينا النظر إلى شأنين أساسيين في هذا الإطار:
- الأول أن الدولة السورية قامت بإنتاج الطبقة الوسطى بعد الاستقلال مباشرة، واستطاعت هذه الطبقة إنتاج السياسة والثقافة السوريتين على امتداد أكثر من ربع قرن. وهذا الإنتاج كان عبر مؤسستي الدولة والجيش اللتين قدمتا ممكنات جديدة بالنسبة للمجتمع، دفعت الأفراد إلى الانخراط بهذه المؤسسات وظهرت ثقافة اجتماعية جديدة تحمل "الجرأة" و "التنوع". ضمن التجربة السابقة يمكن ملاحظة سياق في نمو الطبقة الوسطى في اتجاه واحد، حيث تطورت هذه الشريحة داخل المجال الرسمي، بينما لم يكن هناك مواكبة واحدة داخل "المؤسسات المدنية" وعلى الأخص ما قدمته الأحزاب التي وجدت نفسها ضمن مجال "السلطة السياسية"، حيث أصبح الصراع السياسي يجسد رؤية لها علاقة بعملية التغير الاجتماعي وبقناعة الأحزاب أن هذا التبدل لن يحصل إلا من خلال السلطة السياسية.

كان معظم التفكير بموضوع التغير الاجتماعي يستند إلى أن السلطة السياسية هي صاحبة الدور الأساسي، وأحيانا الوحيد، في عملية التغيير. ورغم أن أصحاب هذا التوجه كانوا نتاج الثقافة الجديدة التي ظهرت بعد الاستقلال، لكنهم اتجهوا لتعريف الشارع السياسي الخاص بهم بـ"الجماهير". ورغم أن هذا التعبير يحمل في داخله كل عناصر المرحلة، أي الخمسينات أو الستينات، لكنه لم يكن في تصور الأحزاب السياسي منتجٌ للثقافة الجديدة، ولم يكن يُنظر له على أساس "طبقة وسطى" بمعناها الاجتماعي الكامل. لذلك بقيت الأحزاب السياسية تجمعات نخب، تبتعد بشكل متسارع عن المجتمع. وتلتقي مع السلطة السياسية في الرغبة بالتحول عبر أدواتها الخاصة، دون التعامل مع "الطبقة الوسطى" أو إنتاج هذه الطبقة بشكل جديد عند كل مرحلة سياسية.

هذه التجربة يمكن فهمها في سياق الحاضر عندما تعتمد الدولة اقتصاد السوق الاجتماعي، محتفظة بالكتلة البشرية الكبيرة داخل مؤسساتها، مع المحاولة الدائمة للحفاظ على توازن اقتصادي يضمن لهذه الشريحة بقائها، لكن المشكلة أن ثقافة "الطبقة الوسطى" اختفت تماما من هذه الشريحة "غير المنتجة" كما فقدت سمة التعامل مع "الشأن العام" (دون أن يعني هذا الأمر الشأن السياسي).

- الطريق الثالث كمفهوم يصعب تبنيه بشكل سهل داخل مجتمع يخوض صراعات، ومجتمع غير محايد ويعاني من صراع يستهدف وجوده، ورغم أن إحدى تعريفات الطريق الثالث تتحدث عن ظهوره وسط الأزمات، لكنه بالفعل يعبر عن مرحلة ثقافية. لذلك فإن الطبقة الوسطى السورية استطاعت إنتاج ثقافة جديدة لكنها كانت تتجه نحو نماذج محددة، أو حتى فرض وجهة نظرها بالوسائل السياسية وغير السياسية، دون البحث عن دور جديد قادر على فصل الأمور وإيجاد صياغات مبتكرة.

على أي حال فإن تطور الطبقة الوسطى لم يكن يفكر بالطريق الثالث ربما لأسباب "تاريخية" أساسا ومتعلقة بالتراث الذي يفهم كل ما هو خارج "النخب" بأنه "عوام"، حتى في المرحلة التي أصبحت فيها "الجماهير" مصطلح يشكل عصب الخطاب السياسي، لكن هذه الجماهير لم تعط التوصيف الملائم لها، وبالتالي فإن دورها كان كخزان بشري، أكثر من كونه مساحة لتفاعل ثقافي. وحتى في مراحل الأزمات مثل نهاية السبعينات وأوائل الثمانينات فإن التيارات السياسية التي كانت خارج الصراع ما بين السلطة السياسية والإخوان المسلمين لم تستطع أن ترسم صورة الطريق الثالث ولو على الصعيد الاجتماعي. ونحن هنا نتحدث عن "بناء" ولو على الصعيد النظري، لأن التبرير بأن "السلطة السياسية" أغلقت أي باب أمام بلورة تيارات جديدة ربما يكون صحيحا، لكنه لا يبرر عدم ظهور أي طرح نظري جديد قادر على تجاوز ثنائية الصراع ما بين السلطة والمعارضة.

مهمة إنشاء الطريق الثالث اليوم لا تعتمد فقط على مجموعة الأفكار التي أوجدها الغرب، لأن وصفه الدقيق، وتحديد دوره المرحلي ينطلق أساسا من الحاجة إلى وجوده اليوم، أي ما يمكن أن يقوم به. ويبدو من الضروري هنا تحديد البعد الحقيقي لهذا المفهوم على الأخص أنه مطروح من قبل بعض قوى المعارضة كحل "وسط" لمسألة التغير في سورية. وربما ليس اعتمادا على نفي حلول المعارضة السورية، بل محاولة لوضع هذا التصور في إطار عميق ولا يعتمد فقط على المتغيرات السياسية إقليميا ودوليا.