قبل خمسة عشر شهراً, ما كان أحد يتوقع أن يوماً سيأتي يطالعنا فيه خبر عن مصافحة بين الرئيس السوري ورئيس الوزراء اللبناني, كحدث يستحق التوقف عنده بالتحليل والتأويل, كما حدث الأسبوع الماضي حين تهافتت وسائل الإعلام على بث الخبر مشفوعاً بخلطة من البهارات العجيبة, المنشطة للغط السياسي ولمزيد من الشحن مع الشماتة, إن مجرد صلاحية هكذا حدث بروتوكولي محض للتمرير في شريط الخبر العاجل والمهم, دليل مؤسف على ما وصلت إليه حال العلاقات بين البلدين! الأكثر غرابة التعاطي الإعلامي مع هذا الخبر على أنه مثار للكثير من التمحيص والجدال, مع ما فيه من افتعال ساذج غير مسؤول, عندما يساوي بين هذه المصافحة وتلك التي تمت عرضياً بين الرئيس بشار الأسد ورئيس إسرائيل خلال تشييع جنازة البابا في الفاتيكان العام الماضي. وكان من المزعج أيضاً دخول الصحافة الالكترونية السورية الخاصة على خط التجييش, وعرض الخبر وكأن فؤاد السنيورة رئيس وزراء إسرائيل وليس لبنان الشقيق, حيث نشر الخبر ضمن العناوين الرئيسية في صيغة تساؤل عن حقيقة ما جرى, واستعين على ذلك برهط من المحللين والمراقبين, فأبدعوا بالتحليل وتباروا بالتوصيف, متفوقين على أنفسهم وعلى صناع أفلام الكارتون, فقيل إن الحدث «كمين» خطط له السنيورة «بترتيب وجوده في مكان مرور الرئيس الأسد»!!

ليس بوسعنا تفهم مشهد تنفيذ «المكيدة» إلا إذا استعرنا مخيلتهم وتصورنا أن الكائد المكيود تخبأ خلف جدار أو تحت طاولة, وأخذ يتلصص في انتظار اللحظة المواتية ليقفز ويفاجئ الهدف بيده الممدودة للمصافحة؛ يعني فشرت مقالب غوار في ترقيع هكذا تحليل سياسي, لا يفرق بين سياسات الدول وبين لعبة الطّميمة, فلا يفطنون إلى أن السنيورة الذي نختلف مع كثير من مواقفه هو رئيس وزراء لبنان الشقيق, وقد أكلت طريق بيروت ­ دمشق شقفاً من أكعابه وأكعاب حلفائه, وإذا كان هناك من انكفأ عن هذا الدرب أو نسي وراح يغني على ليلاه, فنحن السوريين يجب ألا ننسى, وليلانا هي هي لا تتبدل ولا تتغير, ولا يجب أن ندع الخلافات السياسية التي يعلم الجميع أسبابها تفسد حبنا للبنان. وإذا نحينا العاطفة جانباً, فالبلدان محكومان بالتاريخ والجغرافيا والمصير المشترك, وتاريخ العلاقات بينهما يشهد على جملة أزمات اعترتها وقطيعات تخللتها, وكانت أسوأ بكثير مما يجري الآن, ومع ذلك لم يحدث أن وصفت مصافحة رسمية بالكمين!! وللتذكير, خالد العظم رئيس وزراء سوريا في الخمسينيات المعروف بأبي القطيعة, لأنه هندس قرار أطول قطيعة اقتصادية بين البلدين, لجأ إلى لبنان خلال فترة الوحدة, وعاش هناك والقطيعة لا تزال قائمة, ولم تكتب له العودة الى بلده ومات ودفن هناك, مثبتاً المثل «الجار للجار وإن جار». ألا تستحق هذه الروابط الإنسانية المترفعة عن ترهات السياسة قليلاً من فطنة المحللين السياسيين, وليس مؤلفي قصص النميمة والخديعة؟ وهل كانوا يتوقعون من رئيس مثل بشار الأسد أن لا يمد يده للسلام, وأن لا يرد التحية بأحسن منها, ليس للسنيورة, بل لأي شخص كان؟

مكانة سوريا العربية ودورها الإقليمي, لا يسمحان لها بالهبوط إلى درك المهاترة, كما لا مصلحة لانزلاق بعض الوسائل المستقلة إلى هذا المستنقع, لتنبش وتفتق في قضايا مفتعلة, في وقت لم نصدق فيه بعد, أن كثيراً من وسائل الإعلام اللبنانية والعربية, بعد أن أحدثت أضراراً بالغة, خففت لهجة التحريض متقية الله في شعب البلدين, وبدأت تستعيد رشدها, على أمل استعادة دورها. الأولى اليوم, ترميم العلاقة بيننا وتعويض ما تكبدناه من خسائر, وبالتالي يقع على سوريا مأثرة العض على جراحها والمبادرة لإعادة المياه الى مجاريها, بمساعدة لبنان في تجاوز خلافاته وتناقضاته التي تضعه في موقع لا يحسد عليه تجعله عاجزاً حتى عن تقرير مصيره!!

ونحن لو أدركنا, وليس في هذا أي مبالغة, أن ما يؤذي بيروت يصيب قلب دمشق, وما يلم بدمشق يحل وبالاً على بيروت, فسوف نقبل بمسؤولية سوريا التي لا مفر منها ولا مهرب, في الحفاظ على أمن لبنان واستقراره شئنا أم أبينا, وهذه المسؤولية هي التي تجعل الحديث عن كمائن للمصافحة أمراً معيباً, لا يليق بتحليل سياسي ولا بخبر اعلامي عن علاقات الدول والقادة, وإنما فقط بثرثرات تُميّع الأمور, وفي أحسن الأحوال تضفي بعض الطرافة على الأحداث في الوقت الضائع, إذا كان لا يزال لدينا وقت نضيعه... وهذا هو الكمين الحقيقي.