اصبح مستقبل العملية الاميركية بأكملها في العراق على المحك مع دخول الحرب مرحلة خطيرة جديدة من العنف الوحشي المعتمد على الهوية، بين السنة والشيعة. وأذكر أني وفي اواخر السبعينات، كنت اغطي لحظات مماثلة في لبنان، والأمر الذي تعلمته كان ما ان ينطلق مثل هذا السم، بقتل اعضاء الطوائف المختلفة بعضهم البعض اعتمادا على الهوية الدينية، حتى يتسمم كل شيء. وتدخل الامور مرحلة تتعدى السياسة، مرحلة يسيطر فيها الخوف والانتقام على تفكير الجميع، وذلك هو عين الذي يتجه اليه العراق.

لقد كتب جيفري غتلمان يوم الاحد الماضي في هذه الصحيفة عن محمد العزاوي، وهو سني هادئ الطبع يملك محلا لبيع الحيوانات الاليفة في بغداد، وقد اختطفوه من محله ليعثر عليه مقتولا في اليوم الثاني. وكان جسده مغطى بالكدمات، ووجهه وساقاه بهما ثقوب من آلة تثقيب، فيما أشارت القصة الى ان شقيقه حسان يحمل صور التشريح ومسدس معه وقال: «لا أستطيع الحياة بدون انتقام».

والى ذلك، وحين تتأصل مثل هذه الاحداث يصبح من المستحيل كسر دائرة الخوف والانتقام. ويتوصل الناس الى نتيجة مقتضاها ان الامر الوحيد الذي يحميهم هو مليشيات من طائفتهم، وليس الشرطة او الجيش. وعندئذ تتخذ هذه المليشيات، التي ظهرت اساسا لحماية الحي، شكلا جديدا تبدأ معه في تشكيل عصابات للحماية، ومن ثم ينمو الشعور بإثارة القوة، وكما يحدث دائما، يبذلون كل ما في وسعهم لمنع الحكومة من استعادة سلطتها.

وأخيرا وكما لاحظت هيئة الاذاعة البريطانية في تقرير من بغداد، ان بعض السياسيين العراقيين توصلوا الى نتيجة بأنه في امكانهم «الحصول على مزيد من النفوذ والقوة عن طريق تشكيل ولاءات طائفية اكثر من الدعوة الي الوحدة الوطنية». وعندما يقرر السياسيون امكانية تحقيق التقدم عن طريق التركيز على اثارة مشاعر الخوف بدلا من الامل، تتبخر المصالحة الوطنية.

وقدمت مدونة في بغداد، تطلق على نفسها اسم Mesopotamian نقل عنها موقع اندرو سوليفان، وصفا حيا للحي الذي يعيش حالة من «التشويش والنزاع بين الاميركيين والجيش ووزارة الداخلية، مما يؤدي الى موقف يجعل المواطن لا يعرف ما اذا كان رجال الامن في الشوارع من الاصدقاء ام من الاعداء او من الارهابيين، او مجرد مجموعات من اللصوص والمجرمين. الجميع يرتدي نفس الزي. قطاعات من المدينة سقطت بأكملها تقريبا في يد العصابات والإرهابيين، وينطبق ذلك بصفة خاصة على الاحياء السنية. الناس والأعمال تتعرض للسرقة ويجري اختطاف مجموعات من العاملين في وضح النهار وبسهولة تامة كما لو ان قوات الامن غير موجودة، بالرغم من رؤيتنا لهم في كل مكان. لا اعرف ما الذي يجب فعله لإنقاذ الموقف. ولكن وعلى الاقل، يجب على هؤلاء الذين يتولون مناصب مسؤولة التوقف عن الكذب وتقديم صورة زائفة عما يحدث. ويؤسفني الظهور بمظهر المتشائم، ولكن يجب قرع اجراس الانذار لأن الذي يحدث في بغداد امر في غاية السوء».

ويذهب تقديري الى أن قرار دونالد رامسفيلد بعدم نشر قوات كافية في العراق هو الذي تسبب في ايجاد هذا الفراغ الأمني. إلا ان طبيعة العدو الذي ظهر للاستفادة من هذا الفراغ، وهم جماعات التمرد السني، فاقمت ايضا من حالة الاضطراب وعدم الاستقرار. وهي في الأصل جماعات بينها قاسم مشترك يتمثل في إفشال أي جهود للولايات المتحدة وحلفائها العراقيين، وعدم السماح لهم ببناء العراق وتحويله الى مجتمع ديمقراطي على النمط الغربي. وعندما تكون المواجهة مع عدو هدفه الرئيسي العمل على إفشال مهمتك، ولا يأبه اصلا بحجم القتل والدمار الذي يمكن ان يحدثه وسط شعبه، يصبح من الصعب العمل على إقرار وبسط النظام.

ابدى الشيعة العراقيون قدرا كبيرا من ضبط النفس في مواجهة حملات القتل الدموية من جانب العصابات التي استهدفتهم خلال الأعوام الثلاثة السابقة، إلا ان ضبط النفس هذا لم يعد موجودا. فمن الواضح الآن ان بعض الميليشيات الشيعية باتت على استعداد لمجاراة جماعات القتل السنية، وهكذا بدأ الانزلاق الى بربرية العصور الوسطى.

لا تصدقوا احاديث فريق بوش المتفائلة. لا يهم اذا كان العراق هادئا في الجنوب او في الشمال. فاذا كانت بغداد، قلب البلاد، ممزقة، فليس هناك عراق، لأنه ليس هناك مركز.

هناك امل واحد فقط لوقف هذا الانزلاق يتلخص في تشكيل حكومة وحدة وطنية عراقية فورا من السنة والشيعة والأكراد ونشر أعداد كبيرة من قوات الشرطة والجيش العراقي والقوات الاميركية في الشوارع للحيلولة دون حدوث الاغتيالات لأسباب عشائرية. اذا لم يجر تشكيل حكومة وحدة وطنية فورا، وإذا نجح هؤلاء القتلة في الترويج لحالة الفوضى وعدم الاستقرار، فسيتبدد الأمل في بناء عراق مزدهر وآمن ومستقر.