عادت قضية مزارع شبعا، التي طالما شكّلت ملفًا شائكًا وعويصًا في نقاشات القوى السياسية اللبنانية، إلى نقطة الصفر، بعدما كان مؤتمر الحوار الوطني اللبناني قد قرر انها لبنانية وكلّف حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، إجراء الاتصالات اللازمة مع سوريا والأمم المتحدة، لإثبات السيادة اللبنانية على تلك المنطقة الواقعة عند التقاء الحدود بين فلسطين ولبنان وسوريا.

لماذا عادت هذه القضية إلى الصفر؟

لأن نائب الرئيس السوري فاروق الشرع أعلن يوم الخميس الماضي في القاهرة بعد محادثات أجراها مع الرئيس حسني مبارك: «ان اللبنانيين هم الذين يجب أن يتعاملوا مع هذا الموضوع أي لبنانية مزارع شبعا، وان دمشق لا تدّعي أن هذه المزارع سورية».

ولكن وفق القانون الدولي فإن الأمم المتحدة تعتبر أن هذه المزارع سورية، لأنها كانت تحت سيطرة السيادة السورية عندما احتلتها إسرائيل عام 1967 ومن ثم وسّعت رقعة احتلالها في تلك المنطقة السياحية الشتوية المهمّة والتي طوّرها العدو الإسرائيلي لتصبح مركزًا مهمًّا لإنتاج العنب والنبيذ.

وفي الواقع يتعامل مجلس الأمن مع هذه المزارع على أنها أرض سورية محتلة فيها قوات فصل دولية تدعى «أندوف» وتتبع القرار الدولي 242 الذي أوقف حرب 1967، بينما يتعامل المجلس المذكور مع باقي مناطق الجنوب اللبناني التي احتلتها إسرائيل من منطلق القرار 425 الذي ترى الأمم المتحدة أنه نفّذ بعد انسحاب إسرائيل مهزومة في 24 أيار/مايو من عام 2000، وان قوات الطوارئ العاملة في الجنوب تدعى «يونيفيل».

عمليًا ووفق القانون الدولي، ليس مطلوبًا أكثر من أن يرفع لبنان وسوريا خرائط موقعة من الطرفين إلى الأمم المتحدة تؤكد لبنانية المزارع المذكورة، حيث يتم فورًا الإقرار الدولي من الأمم المتحدة بسيادة لبنان على تلك المنطقة.

وفي اللحظة التي تعلن الأمم المتحدة هذا الأمر، يصبح لدى لبنان حجة قانونية دامغة تقول إن القرار 425 لم ينفذ بالكامل وان على إسرائيل أن تنسحب من مزارع شبعا لكي يكتمل تنفيذه.

فإذا رضخت إسرائيل لإرادة مجلس الأمن وانسحبت من تلك المنطقة يكون لبنان قد أكمل تحرير أراضيه، وليس هناك من يشك للحظة واحدة أن «حزب الله» يمكن أن يعارض انسحابا من هذا النوع تحت الضغط الدولي، يوفر على المقاومة كثيرًا من الدماء والجهود والعمليات العسكرية.

أما إذا لم تنسحب إسرائيل، وهو أمر يكتسب أرجحية كبيرة، فإن ذلك يعطي سلاح «حزب الله» شرعية دولية لا نقاش فيها من منطلق حق الشعوب في تحرير أراضيها من احتلال الغير وهو ما تقرّه شرعية الأمم كما هو معروف.

وفي موازاة القرار 1559 الذي يعتبر المقاومة ميليشيا ويدعو إلى نزع سلاحها، يصبح إثبات السيادة اللبنانية على المزارع عبر مجلس الأمن، بمثابة مدخل قانوني دامغ لإسقاط منطق القرار 1559 المتعلق بسلاح المقاومة.

وإذا تذكرنا «تفاهم نيسان/أبريل» عام 1996، الذي لعب الرئيس الشهيد رفيق الحريري دورًا حاسمًا في إقراره بالتعاون مع فرنسا في مواجهة موقف أميركي ـ إسرائيلي يعارض المقاومة و«حزب الله»، تتسع حلقة الذهول وتكثر التساؤلات عن الأسباب التي حالت حتى الآن وتحول، دون تسهيل سوريا الأمر على لبنان و«حزب الله» لامتلاك الحجة القانونية الدامغة التي تدعم حق لبنان في استعادة مزارع شبعا عن طريق الضغوط أو عن طريق المقاومة، التي تكتسب كما قلنا حجة تناقض تمامًا بعض محتوى القرار 1559. ما هي الحكمة السورية في القول إن اللبنانيين هم الذين يجب أن يتعاملوا مع موضوع المزارع، وهو كلام يأتي بعد سلسلة من المواقف الضبابية السابقة التي لم تكن تقر صراحة بلبنانية المزارع؟

وماذا يضير دمشق فعلاً إذا تعاونت مع لبنان في وضع خرائط موقّعة تثبت سيادته على المزارع، بما يعطي شرعية دولية وقانونية لسلاح المقاومة؟

وكيف يمكن أن يفهم اللبنانيون هذا الموقف السوري، بعيدًا عن بعض التحليلات التي تُنشر في بيروت وتقول إن دمشق لم تخرج بعد من المعادلة السياسية القديمة التي طالما اعتبرت اتفاق سايكس ـ بيكو مؤامرة، وان من حقها ليس استعادة الأقضية الأربعة من لبنان بل «استعادة» لبنان كله.

وعلى هذا الأساس فإنها في اللحظة التي توافق على ترسيم الحدود في مزارع شبعا تكون قد تراجعت عن نظرية مؤامرة سايكس ـ بيكو، ويصبح الترسيم مسألة واقعة على امتداد الحدود كلها.

وعلى هذا الأساس وطبقًا لمستلزمات القانون الدولي، لم يكن كافيًا أن يتفق مؤتمر الحوار الوطني المنعقد بين الأفرقاء اللبنانيين، على أن مزارع شبعا لبنانية، لأن هذا الاتفاق غير قابل للصرف عند كوفي أنان إلاّ وفق الآلية التي تتطلب تعاونًا سوريا.

وقياسًا بالتاريخ السياسي المعروف بين لبنان وسوريا، حيث كان هناك في الماضي لبنانيون يطالبون بالانضمام إلى سوريا، ويعتبرون مثلاً أن الحديث عن قيام تبادل ديبلوماسي هو طعن في طبيعة العلاقات بين البلدين، قياسًا بكل هذا، تشكل قرارات مؤتمر الحوار الوطني التي أجمعت على لبنانية المزارع وعلى ضرورة تبادل السفراء بين دمشق وبيروت، منعطفًا تاريخيًا بكل ما في الكلمة من معنى، وهو منعطف كلّف الكثير من العناء والنقاش في لبنان فكيف الأمر بالنسبة إلى سوريا؟

رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة يتعمد دائمًا تكرار النظرية التي أعلنها بعد زيارته إلى دمشق إثر تشكيل حكومته، وهي أن على السوريين أن يهضموا فكرة أن لبنان بلد مستقل له سيادته وحريته، وان على اللبنانيين أن يقتنعوا فعلاً بأنهم بلد قادر على الاستقلال وممارسة السيادة الكاملة.

في النهاية هذا الأمر هو الذي يشكل المنطلق الأساسي المتين لقيام علاقات قوية وأخوية ومميزة بين البلدين. فهل يتفق اللبنانيون على لبنانية مزارع شبعا؟

انها قصة الفلاح الذي قرّر الزواج بابنة الملك، لكن يبقى أن توافق العروس السورية لتكتمل الأفراح!