عيسى المهنا

أدى تطور الاقتصاديات العالمية حالياً باتجاه اقتصاد المعرفة إلى تنامي دور هذا القطاع خلال العقود الماضية , ورسم هذا التنامي اتجاهاً جديداً لاقتصاديات هذه الدول بتاثير طبيعة تطور اقتصادها عبر المراحل التاريخية المعروفة .

وتم اعتماد هذا النموذج العلمي الاقتصادي الجديد بشكل نهائي بعد الادراك الملموس والتحديد الكمي لمدى قدرة هذا العلم على تحقيق معدلات نمو وقفزات نوعية في مؤشرات اقتصادية كمية كالإنتاجية والعائدية , تحسب قيمتها وفق أحدث الدراسات باتجاهين من الجزئي إلى الكلي أو من الكلي باتجاه الجزئي على اختلاف المدارس الفكرية الاقتصادية في تحديد الدور النسبي لاقتصاد المعرفة على صعيد تعزيز مؤشرات الاقتصاد الكلي . وتم باتجاه آخر التركيز على تركيبته البنيوية والهيكلية لتحديد منظومة العوامل الرئيسية والثانوية وتفرعاتهما والتي تساهم بدورها في حركيته وتقدمه. فظهر دوره متنامياً كصاحب الحصة الأكبر – خلال العقود الثلاث الماضية – في معدلات النمو الاقتصادية من خلال لعبه لدورٍ رئيسيٍ وحاسم ٍفي التطور الاقتصادي العالمي عبر مظاهر مختلفة محسوسة وملموسة يُعبر عنها في :

- ازدياد حصة رأس المال غير المنظورة على حساب حصة رأس المال المنظورة حيث كانت حصة رأس المال المنظورة تشكل الثلثين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والربع في بداية القرن العشرين لتسيطر حصة رأس المال غير المنظورة في بداية التسعينيات على ثلثي الحصة .

- التوسع المستمر لصناعات المعرفة ( معلوماتية , فضاء , دواء,... ) حيث تجاوز إسهام هذه الصناعات في الناتج القومي الاجمالي الخمسين في المئة في مجموع بلدان المنظمة الأوربية للتعاون والتنمية بحدود عام 1985 .
- صعود الأعمال ذات المؤهلات العالية حيث تظهر هذه الأخيرة زيادة نمو الطلب على التأهيل العالي في البلدان المتقدمة حيث كان معدل النمو السنوي المتوسط بين عامي 1981-1991 كما يلي حسب الدول المعنية :

البلد عالي التأهيل ضعيف التأهيل كندا 3.5% 0.6% اليابان 3% 0.7% الولايات المتحدة 2.7% 1.5% المانيا 2.6% 0% فرنسا 2.25% - 0.6% ايطاليا 2.1% 0.1%

هذا التنامي للتطورات الثلاث السابقة والناتجة أصلاً عن تنامي دور اقتصاد المعرفة كعامل حاسم في التطور والتقدم الاقتصادي العالمي تحدد وتبلور وتؤطر لنا تنامي مقوماته ومكوناته التي من أهمها التأهيل العالي للكادر البشري والذي لم يعد المتوفر منه في هذه الدول المتقدمة يلبي حاجة وطاقة هذه الاقتصادات لسد الثغرة في وتائر نموها العالية في الاقتصاد عامة ووتائر نمو الطلب على التأهيل العالي خاصة المُبينة في المؤشرات الكمية السابقة . يقود هذا الواقع بمؤشراته هذه الدول ويجبرها للبحث عن الحل الذي لا يلبيه الإنتاج المحلي من هذه التأهيلات العالية ولا يلبيه في نفس الوقت رفع مؤهلات أصحاب المؤهلات الضعيفة زمنياً ونوعياً ( والتي كانت سالبة في حالة فرنسا وصفر في حالتي المانيا وايطاليا ) – مع تشعب العلوم الرافدة لهذا الاقتصاد - فيبقى الحل الأسهل والأقرب زمنياً هو استقدام هذا التأهيل العالي من الخارج وإن كان على حساب الغير فكان استقدام قرابة 3.148 مليون كفاءة وعالم عربي من فئة مهنيين لهذه الدول خلال 50 سنة الماضية وستة أضعافهم من أنحاء مختلفة من العالم الثالث . واللافت أن أعدادهم في نهاية الستينات كان بضع مئات سنوياً في أحسن أحواله وصلت في نهاية عام 2000 إلى عشرات الآلاف سنوياً ( كفاءات وعقول عربية فقط ) وهذا التواتر العالي في زيادة استخدام هؤلاء يتناغم ويتوافق مع زيادة حصة اقتصاد المعرفة في نفس المرحلة الزمنية من الاقتصاد الكلي لهذه الدول باعتبار الأول مكون أساسي لا يمكن الاستغناء عنه في اقصاد المعرفة.

أمام هذه الوقائع الكمية يظهر اقتصاد المعرفة كمتغير مستقل يتبع له هجرة العقول كمتغير تابع معامل ارتباطهما كبير يفسر كل من العلاقة بينهما وتأثير تنامي المتغير المستقل على التابع . و يأخذ بالتالي اقتصاد المعرفة موقع الصدارة في الأسباب الرئيسية لهجرة العقول والكفاءات من الجنوب إلى الشمال ويفكك هذا السبب الحلقة التقليدية السابقة لأسباب الهجرة ( سياسية , اقتصادية , اجتماعية , ذاتية , تغريب داخلي ,...)- والتي باتت معروفة دون إهمالها كأسباب فاعلة - . ويعيد ترتيبها بصيغة جديدة تناسب المرحلة الحالية في حجم التقدم الاقتصادي وفق مرحلته الزمنية الحالية.

30/3/2006

المراجع :

Foray ,dominiq L’ economie de la connaissance - 1 2 - هجرة الكفاءات والعقول العربية الفاقد الاقتصادي , معهد التخطيط للتنمية الاقتصادية الاجتماعية بدمشق .